اصطناع باسكال

ثمة ميل جماعي لاستسهال القوالب الجاهزة في توصيف الظواهر المعقدة بطبيعتها، حيث يبدو وكأننا لا نكترث للحقيقة، حتى لو ادعينا ذلك.

يروي البروفيسور هاري فرانكفورت قصةً عن الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين، حين اتصلت به السيدة باسكال لتخبره عن حالتها المزاجية السيئة، وقالت أن شعورها يشبه “كلب تم دهسه”، وهنا شعر فتغنشتاين بالاشمئزاز من ذلك التعبير، فالمقاربة التي طرحتها باسكال لتوصيف مشاعرها بعيدة كل البعد عن الحقيقة، كونها لا تعرف إطلاقاً ما هو شعور الكلب الذي تم دهسه.

بحسب الفيلسوف مارتن هيدغر، فإن الحقيقة تفترض توافقاً بين الشيء وما نتصوره عنه، بين ما يدل عليه الملفوظ وبين الشيء. وفي المثال السابق، على الرغم من بعض المبالغة، يتلاشى ذلك التوافق تماماً بين الشعور وما تصورته باسكال عنه.

لا يندرج ذلك تحت مسمّى “الكذب”، فباسكال لم تكن تتعمد الكذب بشأن شعورها هنا، بل تجنبت كلياً الخوض في قراءة مكنوناتها النفسية بعمق، تجنبت وضع مشاعرها في سياق الظروف الداخلية والخارجية كي تتمكن من فهم ما تحس به. فقد استسهلت اللجوء إلى قوالب لغوية جاهزة لتوصيف حالتها.

قس على ذلك مثلاً الاقتباسات المقتطعة من سياقها في منشورات العالم الافتراضي، والتي نستخدمها أحياناً للدلالة على سمات معينة في شخصياتنا، وكأن سيكولوجيا الإنسان بكل تعقيدها يمكن اختزالها إلى بضعة كلمات أو صور. أو حين نلجأ إلى تشبيه أنفسنا بشخوص محببة من الأفلام والمسلسلات، وكأن هذا الربط الرمزي ينفي الحاجة إلى الغوص في دواخلنا المتشابكة والمركّبة.

مستويات جديدة من الاصطناع وإخفاء عدم وجود الحقيقة، ربما فات عن بال جان بودريار أن يدرجها في رؤيته للعالم. منظومة عالمية تخفي الحقيقة وتشوهها، لنتماهى نحن مع خداع أنفسنا وندافع عن الوهم بصفته حقيقة.

أضف تعليق