رحلة عبر النجوم

السفر نحو النجوم والكواكب البعيدة. حلم عشاق أفلام الخيال العلمي وهواة الفضاء, واليوم أصبح حلماً يتشاركه العلماء أيضاً, بكل ما تحمله الكلمة من جدية.
ربما تكون قد شاهدت سلسلة الأفلام الشهيرة ستار تريك Star Trek أو السلسلة التلفزيونية التي تحمل نفس العنوان, والتي قامت بالترويج لمفهوم Warp Drive، وهو محرك افتراضي قادر على نقل المركبة الفضائية بين نقطتين أسرع من الضوء. ولكن المفهوم نفسه كان قد ظهر سابقاً من خلال أعمال الروائي الأمريكي جون كامبيل John Campbell عام 1957.

فما هو إذاً هذا المحرك الخيالي؟ وكيف يسعى العلماء اليوم لتحويله إلى حقيقة؟ والسؤال الأهم، لماذا نريد تحقيق ذلك؟


دعونا نجيب أولاًَ على السؤال التالي، لماذا لا نستطيع السفر أسرع من الضوء إذا امتلكنا محركاتٍ قوية بما فيه الكفاية؟


لنبدأ بمحاولة الإجابة على الأسئلة رجوعاً. وفقاً لنظرية آينشتاين، النسبية الخاصة، تعمل سرعة الضوء كمقياس كوني للسرعات، فما من شيء في هذا الكون، مهما تعاظمت سرعته، يستطيع السفر بسرعة الضوء، وذلك لأن الكتلة سوف تتزايد باضطراد حتى تصل إلى مالانهاية عند الاقتراب من سرعة الضوء، وهو ما يتطلب طاقة لا نهائية، وبالتالي يستحيل على الأجسام التي تمتلك كتلة أن تتسارع إلى ذلك الحد.


فلماذا إذاً نريد كسر القاعدة وفعل المستحيل؟ لماذا يسكن السفر عبر الفضاء هاجس البشر؟


هنالك مستويان لمنحى التفكير ذلك. فمن ناحية، ثمة قلق حقيقي يسود الأوساط الاجتماعية البرجوازية من خطر الفناء على الأرض، وكأن مشاكل هذا الكوكب لا تعنيهم، فبدلاً من البحث عن حلول لها يسعون إلى الهرب منها. حيث أن أسرع مركبة فضائية تمكن البشر من تطويرها (Parker Solar Probe) قد تصل إلى ما يعادل 724000 كيلومتراً في الساعة، وهي سرعة متواضعة جداً إذا ما أخذ في الحسبان ضخامة حجم الكون. فالمركبة تحتاج إلى أكثر من ستة آلاف عام للوصول إلى أقرب نجم أو مجموعة شمسية لنا، Proxima Centauri.


ومن هنا يمكن ملاحظة التمويل الهائل الذي يدفع به بعض أغنياء العالم نحو برامج الفضاء. ناهيك عن أن امتلاك ناصية العلم الحديث تشكل قوة سياسية بذاتها. ومن ناحية أُخرى، نحن جنس فضولي بطبعنا، لطالما كنا نسعى إلى استكشاف الكون وفهم موقعنا فيه، وربما كنا نحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى، هل نحن وحيدون في هذا المحيط الكوني الهائل؟


بالعودة إلى محرك الاعوجاج، كيف يعمل؟ وما هي أسسه النظرية؟
يسمّى هذا المحرك أحياناً بمحرك ألكوبيير نسبةً إلى الفيزيائي المكسيكي ميغيل ألكوبيير Miguel Alcubierre، الذي اقترح الفكرة بصورةٍ عملية لأول مرة عام 1994. وتقوم فكرته على مبدأ خلق فقاعة كونية تؤدي إلى انكماش الفضاء أمامها وتمدده خلفها، مما يعمل على تحريك الأجسام داخل الفقاعة (مركبة فضائية مثلاً) بسرعات كبيرة تتجاوز سرعة الضوء، وهي، من الناحية النظرية، لا تخرق نسبية آينشتاين. وبما أن المركبة لا تتحرك داخل الفقاعة، أي أن الفقاعة تحملها معها كالموجة خلال الفضاء، فإن المركبة ومن بداخلها لا يختبرون آثار التمدد الزمني.
يبدو هذا جميلاً، ما الذي يؤخرنا عن صناعة ذلك المحرك القادم من عبق الأساطير إذاً؟


على الرغم من بساطة النظرية ومعقوليتها (نظرياً فقط)، هنالك الكثير من التحديات العملية التي تواجه محركات الاعوجاج. فوفقاً لنظرية ألكوبيير نفسه، تتطلب الفقاعة تلك كثافة طاقة سالبة negative energy density لتشويه نسيج الزمكان بصورةٍ تسمح للمركبات أن تسافر أسرع من الضوء. ومن المعلوم أن جميع أشكال المادة المعروفة تمتلك كثافة طاقة موجبة، وهو ما يعني أننا سنحتاج إلى ابتكار نوع جديد من المادة الغريبة Exotic matter، التي يمكنها انتاج تلك الطاقة في المحرك.
منذ أن أبصرت ورقة ألكوبيير البحثية النور، انطلقت بعض المحاولات الجادة للبناء عليها، ودراسة الاحتمالات الممكنة والواقعية لتصميم محرك من هذا النوع. كان أولها مشروعاً أطلقته ناسا عام 1996 تحت اسم Breakthrough Propulsion Physics Project، وتبعته محاولات عديدة هنا وهناك، وما زال الجدل قائماً حتى اليوم. كيف يمكننا خلق هذه الفقاعة الكونية بالتحايل على شروط ألكوبيير الغريبة؟

مؤخراً، أخذت بعض الخطوط النظرية المنبثقة عن ألكوبيير منحى جدياً، في سعي منها للإجابة على السؤال المحيّر، هل يمكننا الوصول إلى النجوم في نطاق الفيزياء التي نعرفها على الأقل؟ أم أننا نحتاج إلى اختراع فيزياء جديدة لذلك الغرض؟
سوف يكون لنا وقفة مستقبلية مع الفرضيات الفيزيائية الجديدة والمحاولات العملية لجلب “ستار تريك” إلى قلب عالمنا اليوم.

أضف تعليق