سجن النظرية أم قفص التجربة؟

ماري، عالمة ملمّة تماماً بقوانين الفيزياء والضوء، تعرف جيداً ما هو الفوتون وما هي الأطوال الموجية، وكيف تقوم عين الإنسان بالتقاطها، وكيف يقوم الدماغ بترجمتها إلى الألوان التي نعرفها. ولكن ماري تعيش منذ ولادتها في غرفةٍ غابت عنها تلك الألوان، ولم تعرف سوى الأبيض والأسود طوال حياتها. تخيّل لو أنَّ ماري خرجت إلى الطبيعة في أحد الأيام وشاهدت السماء أو الأشجار أو الطيور المتنوعة، وأدركت أن كل ما تعلمته عن الألوان حتى الآن لم يمنحها تجربة رؤيتها، ولا يضاهي الإحساس فيها. كيف سيكون شعورها حينها؟
اقترح الفيلسوف الأسترالي فرانك جاكسون ذلك السيناريو الافتراضي السابق، في محاولةٍ للتمييز بين المعرفة والتجربة، بين الإدراك التجريدي والإدراك الحسّي أو التجريبي.
وهو سيناريو يفتح الكثير من الأبواب للتساؤل بلا شك. هل يمكن أن نكتفي بالتجربة وحدها إذاً؟ هل نتخلى عن النتائج إذا كانت لا تتفق مع النظرية أم نتخلى عن النظرية فقط؟ كيف يمكننا الغوص في التجربة الحسيّة إن كنا لا نفهمها نظرياً على الأقل؟ ولماذا يرتفع ذلك الجدار حاجزاً بين الإدراك المحض وتجسيده المادي؟
ثمة توجه جاد في علم النفس الحديث يرفض إلى حدٍّ كبير المدارس الكلاسيكية القديمة، فرويد ويونغ تحديداً، وهو التوجه السائد اليوم على الرغم من إقراره بالأهمية التأسيسية لتلك المدارس. فقد ظفر العلم الاستقرائي القائم على الأرقام الدقيقة بحصة الأسد من علم النفس، وقد شجّع على ذلك الميل إلى البحث عمّا يمكن قياسه بصورةٍ واضحة، واستنباط النتائج المقروءة منه. السريع والجاهز للهضم على حساب التعقيد والعمق الوجداني النافذ إلى سيكولوجيا الإنسان.
ذلك الميل ليس عبثياً، حيث جاء من رحم الوعي الاجتماعي والعلاقات الجدلية التي تحكم ديناميات المجتمع في ضوء سيطرة رأس المال.
علم النفس القديم يشبه إلى حدٍّ بعيد لحظةً وسطى بين خروج ماري من غرفتها وبين معرفتها المسبقة لما ستشاهد، وإن كانت معرفةً مشوهة، ولكنه يركز على التجربة الفردية وينطلق منها. أمّا علم النفس الحديث فيرفض معالجة كل ما يقع خلف مفاهيمنا المادية البحتة، كل ما هو ضبابي ولا يمكن تحديده بمفردات قابلة للاختبار، فهو أشبه بعودة ماري إلى الغرفة من جديد لطلاء جدرانها والتمعّن فيها، لعلها تفهم ما تعلمته.
ينسحب هذا النقاش على الكثير من المواضيع التي يمكننا طرح الأسئلة إزاءها. السعادة، الجمال، الوقت.. إلخ.
إذا أخبرك أحدهم بأنه ثمة معادلة رياضية تمكنك من قياس مستوى السعادة لدى شعب ما، وبأن الدراسات الإحصائية -المحدودة بطبيعة الحال- أثبتت صحتها بدقة متناهية، فهل يخولك ذلك أن تحكم على تعاسة هذا الشعب أو ذاك بالمطلق؟ وهل يصح تعميم المفهوم الضيق لها على جميع شعوب الأرض، بكل خصوصياتهم وتنوعهم واختلافاتهم؟
تكمن المفارقة في الدراسات الاجتماعية النفسية بأنها غير حتمية وذاتية في جانبٍ كبير منها، على الرغم من قدرتها على تحليل الأبعاد الوجدانية للبشر، وبأنها تقريرية ومحدودة في رؤيتها على الرغم من استنادها إلى قاعدة علمية رصينة.
هنالك توجه بدأ بالنمو في العقدين الأخيرين يحاول المزاوجة بين علم النفس التقليدي وبين علم الأعصاب الحديث، توجه يلغي الكثير من الاستنتاجات السابقة لفرويد ويونغ ولاكان وغيرهم، ولكنه يبني عليها في نفس الوقت. ربما يكون هذا الشكل من البحث العلمي أكثر عمقاً وأقل تهوراً، فيما يشبه رحلة ذهاب وإياب لا تنتهي بين غرفة ماري وبين الطبيعة، بين ما نعرفه وما نجهله، بين العقل والقلب.

أضف تعليق