إعادة اختراع العجلة

نحتار أحياناً في تصنيف مشاعرنا، ونتوه بين التعريفات المعلّبة التي يسوّقها التلفاز والعالم الافتراضي للحب والاشتياق والغضب والانتقام وسائر ألوان العواطف.
أضحت الأحاسيس البشرية في الزمن الحاضر سائلة لا تمتلك جسداً ولا وجهاً، على حد تعبير الفيلسوف زيغمونت باومان، ترتبط فيه المشاعر بالسلعة، أو بمنطق السلعة، وتتحرك وفقاً لذلك المنطق فتصبح مائعة لا شكل يحكمها ولا مفهوماً يعرفها.
قِس على ذلك مثلاً برامج التعارف التي تحوّل العلاقات إلى ما يشبه نموذج التوظيف في LinkedIn، مواقع التواصل “الاجتماعي” التي تخلو من الاجتماعي وتعج بالقشور، مسلسلات الحب المصطنع التي تفرض المشاعر عنوةً على شخوصها دون انسجام، وغيرها الكثير.
ولكن هل يعفينا ذلك من المحاولة؟ من تجميع قطع الأحجية؟ ومن رسم لوحةٍ تفيض بالألوان لما نشعر به ولا ندركه؟ بالتأكيد لا.
تتسم المشاعر الإنسانية، وفقاً لعالم النفس الأمريكي روبرت بلوتشيك Robert Plutchik، بأربع صفاتٍ جوهرية، وهي كالتالي:
1. موجبة أو سالبة (الحزن سالب والفرح موجب مثلاً).
2. رئيسية وثانوية (الحزن شعور رئيسي، أمّا الإحباط مزيج بين الحزن والمفاجأة).
3. تختلف في حدّتها (الاستغراق في المشكلة pensiveness، الحزن، ومن ثمَّ الأسى، على سبيل المثال).
4. متضادة الأقطاب (كالسعادة والحزن أيضاً).
يقوم بلوتشيك بتقسيم المشاعر إلى نموذج ملوّن يشبه العجلة wheel of emotions، تتكوّن هذه العجلة من ثمانية أقطاب رئيسية. وبحسب نظريته، فإنه من الصعب كما يبدو أن نمتلك زوجين رئيسيّين متضادين من المشاعر في نفس الوقت. فمثلاً ﻻ يمكنك أن تشعر بالإعجاب admiration والاشمئزاز loathing تجاه شخصٍ ما في الوقت ذاته -على الرغم من وجود بعض الإشارات في علم النفس على إمكانية وجود طرفين متضادين من المشاعر معاً.
أمّا المشاعر الثانوية فهي مزيج من المشاعر الرئيسية المتقاربة.
على سبيل الذكر، يقع الحب في منطقةٍ وسطى بين الشعور بالسعادة والثقة، الشعور بالراحة والتقبّل، الشعور بالإعجاب المطلق والنشوة.
تزداد حدّة المشاعر نحو الداخل في نموذج بلوتشيك، حيث تعبّر درجات الألوان في عجلة المشاعر عن ذلك بوضوح. فمثلاً، تمثّل تدرجات اللون الأحمر درجات الشعور بالغضب، بدءاً من الانزعاج annoyance إلى الحنق الشديد rage.
تهدف نظرية بلوتشيك إلى تقوية فهمنا للمشاعر البشرية، عبر امتلاك المصطلحات المناسبة للتعبير عنها، وتفسير العلاقات المعقّدة والمختلفة بينها. يمكن أن نعد العجلة بمثابة دليلٍ نظري يغوص في أعماق الطبقات التي تحيط بأفكارنا وقلوبنا (بالمعنى العام للكلمة)، حتى تصبح أحاسيسنا أكثر شفافية ووضوحاً.
يقول أرسطو: “أن يغضب أي إنسان، فهذا أمر سهل.. لكن أن تغضب من الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب، وللهدف المناسب، وبالأسلوب المناسب.. فليس هذا بالأمر السهل”.
ثمة قدرٌ مطلوب من النباهة في فهم المشاعر الشخصية ومشاعر الآخرين، وتصنيفها ووضعها في السياق المناسب، وهو ما يُطلق عليه علم النفس اسم “الذكاء العاطفي emotional intelligence”. أن تعرف نفسك، هو حجر الزاوية في ذلك النوع من الذكاء، أن تدرك ماهية المشاعر عند ظهورها، وأن تتمكن من بناء قراراتك على صخرة الوعي لا الانفعال اللحظي.
هنالك عدد كبير من مصادر التشتيت اليوم مما لا يسمح للإنسان بأن ينتبه إلى نفسه، وإلى داخله، فجميع ما حولنا، من القصف المستمر للدعاية أنّى أدرت وجهك، إلى الأجهزة الذكية التي تسرق انتباهنا ووعينا (بصورةٍ متعمدة) حتى تبقي على نسب التفاعل والاندماج في فقاعة التكنولوجيا عالية، وهو ما يعني تعرضنا لمزيد من الدعاية وبالتالي المزيد من الأرباح لتلك الشركات، جميع ما سبق موجّه نحو الخارج، العابر، المؤقت، والاستعراضي.
يدرس علم النفس مفهوماً يسمّى “ما بعد الانفعال”، والذي يشير إلى تأمل الإنسان بانفعالاته عقب خروجها إلى السطح وتمظهرها. وهو مفهوم مزعج في بعض الأحيان، كونه يعكس عجز الإنسان عن إدراك مشاعره، التي يعتقد أنه يدركها في خضم اللحظة.
يصف سيغموند فرويد Sigmund Freud هذه الحالة “بالانتباه الموزع”، حيث يتصرف الوعي هنا كمراقب غير فاعل. يرصد ردات الفعل لكنه لا يتصرف إزاءها. وهو ما يعني انبثاق الردود من الجزء الذي يُعرف باسم “لوزة الدماغ Amygdala”، فهي المايسترو الذي يدير سيمفونية المشاعر في الدماغ.
وبلا شك، إنَّ عجلة المشاعر البشرية ﻻ تتوقف عن الدوران والتغيّر، فالإنسان كتلةٌ حيّة من الديالكتيك الذي ﻻ يهدأ، في تفاعله مع نفسه ومع محيطه ومجتمعه، في تفاعله وانسجامه مع الطبيعة.
لعلّنا نستطيع استعادة مشاعرنا ومصائرنا دفعة واحدة، لعلنا نتمكن من توظيف بركان المشاعر في المكان الصحيح، مكان يستحق الغضب أو الحزن، مكان ﻻ نبذّر فيه طاقاتنا بل نستخدمها لإنتاج الإنسان وخلق بيئته.

1 Comment

  1. لا خلاف على أن العجز عن وصف المشاعر بدقة من التحديات الشخصية والعلائقية. أشكرك على هذه المقالة النافعة.
    توجد نقطة لم أستطع وضع اتساق لها وهي أنه حسب روبرت بلوتشك فإنه من الصفات الجوهرية للمشاعر الإنسانية “متضادة الأقطاب” وما فهمته منها هو المشاعر المتضادة. بينما أنه وفقا لبلوتشيك فإن المشاعر الموجودة في عجلة المشاعر متضادة ولا يمكن تواجدها في وقت واحد!
    ألا يعني وجود المشاعر المتضادة “متضادة الأقطاب” وهي من الصفات الجوهرية للمشاعر؟

    إعجاب

أضف تعليق