الفضاء الافتراضي.. المأساة الواقعية

عندما قال ويليام شاتنر جملة “الفضاء.. الحدود النهائية Space.. the final frontier” في مسلسل ستار تريك الأصلي، كان يعني حينها الفضاء الذي نعرفه، بنجومه وكواكبه، على أنه الحد النهائي الذي علينا عبوره لاستكشاف الكون. ولكننا نتحدث هنا عن فضاءٍ افتراضي، فضاء غير محسوس، فضاء الإنترنت بمنصّاته “التواصلية” وتقنياته التي وعدتنا بقريةٍ صغيرة، لكنها لم تحدد طبيعة الأفراد الذين سيعيشون في تلك القرية.

في ثلاثينيات القرن الماضي، طوّر عالم النفس الأمريكي سكينر B. F. Skinner تجربة غريبة لتعديل سلوك الحيوانات، وذلك من خلال وضع الحيوان في صندوق مغلق يحتوي على مقبض أو زر، يقوم بمكافأته بالطعام تلقائياً عند ضغطه من خلال فتحة جانبية، وعُرف الصندوق لاحقاً باسم صندوق سكينر. معدّل المكافآت التي تتبع ضغط الزر كان عشوائياً بصورةٍ متعمدة، وهو ما شكّل مفتاح التجربة برمتها. فالعامل العشوائي هنا هو ما دفع الحيوانات إلى تعديل سلوكها، في محاولةٍ منها لاستعياب النمط الذي يصحبه محفّزٌ ما (الطعام في هذه الحالة).

يقول جارن لانيير Jaron Lanier في كتابه “عشرة حجج لشطب حساباتك من وسائل التواصل الاجتماعي”، أن وسائل التواصل الاجتماعي مجبولة على العشوائية في خوارزمياتها، فيما يشبه صندوق سكينر، ولكنه صندوق مخصص للبشر. قد تعتقد أن خوارزميات الفيسبوك، مثلاً، تختار بعناية ما سيظهر لك في الصفحة الرئيسية، ولكنها مصممة لتكون عشوائيةً بنسبة محددة، والغاية هي تعديل سلوكك ودفعك لصرف المزيد من الوقت في استخدام التطبيق، وبالتالي المزيد من الإعلانات، والمزيد من الأرباح. لو افترضنا أن الصفحة الرئيسية تقوم دائماً بإظهار المحتوى الذي يطابق اهتماماتك تماماً في كل مرة، سوف تمل منها سريعاً حينما تعتاد النمط المتكرر، ولكن النمط الذي لا يمكن التنبؤ به هو ما يجعلك تتعلق بها.

يشير لانيير في كتابه إلى عدة اعترافات من مصممي هذه التطبيقات أنفسهم، حيث يؤكدون أن تصميمها بهذه الطريقة بهدف الإدمان ليس قراراً عبثياً. بل يذهب لانيير إلى وصف تلك الشركات بـ “إمبراطوريات تعديل السلوك behavior modification empires”. كما يعيد ترتيب المصطلحات باستبدال كلمة “المعلِن advertiser” بكلمة “المتلاعِب manipulator”. وهو ما يعيد للأذهان كتاباً سبق عصر الإنترنت والاستبداد المبطّن لتقنيات التواصل الاجتماعي بعدّة عقود، ولكنه ما زال راهناً في المنطق الذي يحكمه. وهو كتاب “المتلاعبون بالعقول” لهربرت شيللر، الذي شدد فيه على أساطير خمس يروج لها الغرب حول الإعلام السائد آنذاك (التلفاز والراديو والصحافة الورقية)، والتي تؤسس المضمون الحقيقي للتضليل الإعلامي والوعي المعلّب، منها وهم الحياد في الإعلام، وغياب الصراع الاجتماعي عن المحتوى الرائج. مع الاختلاف أنَّ المتلاعب في هذه الحالة هو خوارزميات تعمل على خوادم سحابية تبعد عنك آلاف الكيلومترات.

ريكلانتيس الفضاء الافتراضي | حكايات من قلعة تعديل السلوك

قد يعرف متابعي مسلسل الخيال العلمي Rick and Morty جيداً الحلقة السابعة من الموسم الثالث، حينما تقلّد مورتي الشرير منصب القائد الأعلى للقلعة The citadel التي تضم نسخ ريك اللانهائية من جميع الأكوان الموازية، ففي تلك الحلقة ثمة سيناريو مخيف جداً، يتفرع عن القصة الرئيسية، لكيفية ابتلاع التمرد من قبل التوتاليتارية الناعمة وإعادة إنتاج الخضوع والطاعة. ولمن لا يتابعه، تدور القصة حول ريك العامل في خط الإنتاج في أحد مصانع البسكويت، الذي يفقد صوابه عندما لا يحصل على الترقية التي كان يرتقبها، فيقوم بقتل المشرف عليه ويحتجز ريك البسيط Simple Rick -الخاضع للتنويم- رهينة، والذي يقوم المصنع باستخراج خلاصة المواد الكيميائية العصبية من دماغه -التي ترسم صورة شريط يعيد نفسه لسلسلة ذكريات سعيدة تخص عائلته، ومن ثم يقوم بإضافتها كنكهة لرقائق البسكويت غايتها الترويج لقيمة اجتماعية مضافة هي “السعادة” الوهمية في استنساخ ذكريات ريك البسيط.
تنتهي الأحداث بمقتل ريك البسيط، ولكن صاحب المصنع (البرجوازي) يغفر لريك المتمرد ويسمح له بالذهاب، إلا أنه يقوم بصعقه لاحقاً وإخضاعه للتنويم، بغية استخراج عصارة دماغه التي تمثّل ذكرياته عن التمرد والإرادة الحرة والشجاعة، ويتم تسويق رقائق البسكويت الجديدة بقيمة اجتماعية مضافة تعبّر عن تمرد وهمي يتملك المستهلكين لهذا البسكويت، وكأن استهلاكهم له يوازي فعل التمرد والثورة.

في سياق المقاربة التي نحاول إقامتها هنا، تشبه “إمبراطوريات تعديل السلوك” قلعة ريك ومورتي، فهي من ناحية تعمل بشكل فعّال على تعديل سلوك المستخدمين بإيهامهم أن تجاربهم “الفردية” مميزة فعلاً، وهو ما يخلق رابطاً متيناً بين المستخدِم وبين الصورة الرقمية المختلقة التي يظنها عن نفسه داخل الفضاء الافتراضي، فنحن لا نعيش حياتنا هناك بل نتفرّج عليها وهي تتشكّل في قوالب مصطنعة. ومن ناحيةٍ أُخرى، تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي حلقةً مفرغة يقع وهم التغيير في قلبها، رقائق بسكويت افتراضية بنكهة التمرد، تمنح المستهلك شعوراً بالنصر -اللحظي والعابر.

المنشور الذي تعبّر من خلاله عن غضبك ورفضك للاستغلال أو الحرب أو الفقر أو سياسات معينة أو أي قضية اجتماعية أُخرى، في هذا الواقع الرقمي الافتراضي، هو ذاته يشكّل وقوداً للخوارزميات التي تعيد إنتاج الأطر الآيديولوجية لتأبيد هذا الاستغلال، عجلة لا تتوقف من الشحن والتفريغ دون أن تتحرك من مكانها. شكل من أشكال الاغتراب الذي يقلب علاقات التغيير على رأسها ويضع إرادة الإنسان خارجه، بعيداً عن الفعل الحقيقي، فيصبح الإنترنت هو طوطم الثورة ورمزها الميّت. فلئن كان تمردك على النظام وفق شروط وقواعد النظام نفسه، سوف تعمل على تقوية دعائمه بدلاً من دكّها.

يُظهر تقرير نشره منتدى الإعلام العربي AMF عام 2016، أن الصحافة المطبوعة أو الورقية كانت أقل تأثيراً بكثير من الإعلام المرئي، وخاصة الإنترنت، في تشكيل المزاج العام للجماهير العربية خلال الانتفاضات التي اندلعت عام 2011، في مصر وتونس تحديداً. حيث كانت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي صاحبة النصيب الأكبر في صناعة الرأي العام وتوجيه الجموع نحو “التغيير”. ولكن ماذا تقصد بالتغيير؟ ومن يقود دفة هذا التغيير؟ وهل هنالك برنامجٌ واضح لهذه العملية الشاقة؟
مما لا شك فيه أن أحداث الانتفاضات العربية جلبت معها رياحاً ثورية جابت معظم الدول العربية، ولكن يبدو أن البرامج التي تستهدف بنية الدولة الطبقية والملكية الخاصة قد غابت تماماً عن هذه الرياح.

ثمة تناقض جوهري إزاء مسألة إضفاء الطابع الشخصي personalization على تجربة المستخدم في تطبيقات الفضاء الافتراضي، حيث تقوم الخوارزميات التي تعمل على تحليل بيانات المستخدمين في هذا العالم على مبدأ البيانات الضخمة big data، فهي تجمع ملايين النقاط المعلوماتية من الأفراد باستمرار دون الحاجة لتمييزهم كأفراد من لحم ودم، كل ما يهمها هو دراسة الأنماط والسلوكيات الخاصة بالمستخدمين لإنتاج توصيات دعائية مخصصة وموجهة للأفراد.
قد تعتقد أنَّ هذا التخصيص فيه شيءٌ من التميّز والفردانية، ولكنك لا تمثّل سوى رقم إضافي للأرقام الأُخرى التي تشاهد الإعلان ذاته وفقاً لما تتصفحه على الإنترنت، مع العِلم أن هذه الخوارزميات يتم تدريبها وتغذيتها ببيانات الملايين الآخرين حتى تتوصل إلى قرار يتعلق بالإعلان الذي يفاجئك بين المنشور والآخر. والغاية الأساسية هي مضاعفة الأرباح عبر تسويق المنتجات بالقصف المستمر للدعاية.
وعلى الرغم من ذلك، فنحن نعيش داخل قواقع معزولة عن بعضها البعض تحرمنا ضرورة التواصل الاجتماعي الحقيقي، التواصل القائم على التجربة الاجتماعية التشاركية في إدراك العالم من حولنا وتغييره. يسمّي إيلاي باريسر Eli Pariser هذه القواقع باسم “فقاعات الفلترة The Filter Bubble”، حيث تعمل خوارزميات شركات التكنولوجيا على انتقاء نتائج البحث وانتقاء ما نشاهد وما نتفاعل معه، فهي تتبنى قرارات إحصائية محسوبة لتتكيّف مع ما تعتقد أنه يهمّنا. والمشكلة هنا، وفقاً لباريسر، أنها تعزلنا عن العالم، تتخذ القرارات بالنيابة عن المستخدم الواعي، وكأنها عدسة كاميرا مشوهة تطل على الكوكب.

خاتمة

يقول لانيير أنَّ تقنيات الإنترنت والتواصل الاجتماعي تحيل كل ما نقوله إلى حديث مفرغ من المضمون ومنزوع السياق وبلا معنى، ففي آليات التواصل المباشر يكون الكلام والسياق صنوان لا يفترقان، بينما تضيف هنا آليات التواصل غير المباشر سياقها الخاص الذي يشوه جوهر الأفكار (ترتيب المحتوى، طريقة العرض، التنبيهات، حجب بعض المحتويات، إظهار نتائج مختلفة.. وإلى آخره من الوسائل).
تعيدني هذه الفكرة إلى مشهد من فيلم The Zero Theorem حينما قال كوهين مخاطباً نفسه “أردنا دائماً أن نشعر بأننا مختلفون وفريدون. ومع ذلك، يخلص التحليل الموضوعي إلى أننا غير مهمين مثل أي شخص آخر. نحن مجرد واحد من بين العديد من النحلات العاملة المنفردة في سرب واسع، ونخضع لنفس الضرورات مثل المليارات الآخرين.”


المأساة الواقعية في هذا الفضاء الافتراضي هي أننا كائنات منفردة داخل صندوق سكينر كبير، ومهما علت أصواتنا فلن يبارح صداها جدران هذا الصندوق.
رأس المال الذي يدير صناديق الوعي الرقمية هذه، لا يهمه أفراد ولا جماعات، لا يأبه للآراء والأفكار، ولا يكترث للإنسان الخلّاق وديناميات التفاعل بينه وبين محيطه، كل ما يهمه هو الأوراق الخضراء التي تحكم العالم.

المصادر:
– كتاب “Ten Arguments for Deleting Your Social Media Accounts” لجارن لانيير
– كتاب “المتلاعبون بالعقول” لهربرت شيللر
– نظرية فقاعات الفلترة لإيلاي باريسر.
– تجربة صندوق سكينر.
– تجربة إيفان بافلوف

أضف تعليق