البلاستيك، قلق جديد في الحضارة

يستخرج الإنسان معظم المواد الأولية التي يستخدمها لصناعة احتياجاته من الأرض، كالمعادن والسليكون والنفط وغيرها.

وعندما يتم إلقاء مخلفات ما ينتجه البشر في الطبيعة فإنها تتحلل إلى عناصرها الأولية من جديد وتصبح جزءاً من التربة، إلا أنَّ بعض المواد تستغرق وقتاً أطول، أطول بكثير، لإتمام هذه العملية. مئات وربما آلاف السنين.

يعد البلاستيك plastics أحد هذه المواد التي تشكل هاجساً للمهتمين بالبيئة وبآليات التخلص من النفايات، فهو من أكثر المواد استخداماً في الصناعات الاستهلاكية، وهو الأكثر صعوبةً في التحلل.

كيف يتم صناعة البلاستيك؟ ولماذا لا يتحلل بهذه السهولة؟ وهل ثمة حلول علمية لمشكلة تراكمه المتزايدة؟

قبل الميلاد بما يقارب القرن والنصف، عاشت حضارة الأولميك Olmec في ما نعرفه الآن باسم المكسيك. كانت حضارة الأولميك أوّل من استخدم أحد مشتقات البلاستيك الطبيعي المستخرج من الأشجار لصناعة الكرات المطاطية. يتكوّن هذا البلاستيك بشكلٍ رئيسي من البوليمر polymer، وهو أي مركب كيميائي تترابط جزيئاته ضمن سلسلة طويلة متكررة، فقد قاموا باستخدام الصمغ لصناعة كرات اللعب. ولكن منتجات البلاستيك الحديثة تستخدم طرقاً صناعية مختلفة وأقل تكلفة لتركيب synthesize البوليمر، حيث تدخل هنا مشتقات النفط الخام أو الغاز الطبيعي كعنصرٍ أساسي في العملية.

بدأ تصنيع البلاستيك في أوائل القرن العشرين باستخدام الفينول phenol، وتضاعفت العملية بشكلٍ متسارع منذ منتصف القرن مع الاتجاه نحو الوقود الأحفوري.

تقوم مصانع التكرير refinement plants بتدوير النفط والغاز لاستخراج منتجات كيميائية أكثر فائدة، حيث نحصل على الإيثان ethane من النفط الخام، وعلى والبروبان propane من الغاز الطبيعي. ومن ثمَّ تمر هذه المركبّات من خلال مصانع التكسير cracker plants التي تقوم بتعريضها لدرجات حرارة عالية حتى نحصل على مركبّات عضوية أقل تعقيداً، كالإيثيلين ethylene والبروبيلين propylene.

ومن ثمَّ يأتي دور عملية البلمرة polymerisation، حيث يتم إضافة مواد محفزة catalysts تربط الجزيئات ببعضها لتحويل الإيثيلين إلى بولي إيثيلين polyethylene والبروبيلين إلى بولي بروبيلين polypropylene، وهي بوليمرات صمغية تسمّى “راتنجات resins”، وتعتبر المادة الأولية لصناعة منتجات البلاستيك، التي يتم قولبتها تحت الحرارة والضغط لتتخذ أشكالاً متعددة.

هذه البوليمرات الصناعية لا يمكن أن تظهر في الطبيعة بشكلٍ عفوي، وذلك لأنها تتطلب قدراً كبيراً من الطاقة لإنتاج روابط الكربون-كربون القوية التي يحتويها البوليمر المخلّق. ومن هنا تنبع مشكلة تلوّث البلاستيك، ففي حين تتحلل المواد العضوية بسهولة في الطبيعة من خلال عمليات التفكيك التي تقوم بها البكتيريا والكائنات العضوية الأُخرى، يستحيل ذلك إزاء البوليمر الصناعي، كونه أكثر تعقيداً من الناحية التركيبية ولا يمكن تفكيكه بسهولة.

ثمة بديلٌ لروابط الكربون-كربون في صناعة البلاستيك وهو الروابط الببتيدية peptide bonds، حيث يمكن أن تحل محلها أثناء عملية البلمرة لتنتج ما هو أقصر عمراً بكثير في سياق الحديث عن التحلل البيولوجي biodegrade للبلاستيك. ولكن المشكلة الوحيدة التي تظهر هنا هي أنه لا يجدي نفعاً من الناحية الاقتصادية، فالمنتجات التي تدوم سنة أو سنتين لا يمكن تعبئتها في عبوّات بلاستيكية قد تتحلل في بضعة أشهر.

يصل متوسط عمر التحلل لمنتجات البلاستيك الصناعية إلى حوالي 450 سنة، مع العِلم أنَّ بعض الأنواع قد يصل متوسط عمرها إلى 5000 سنة حتى تتحلل تماماً. وهو ما يشكّل كارثةً كبيرة على الطبيعة والبيئة.

ووفقاً لوكالة حماية البيئة الأمريكية EPA فإنَّ المعدّل الكلّي لمخلفات البلاستيك السنوية قد وصل في عام 2017 إلى ما يزيد عن الـ 30 مليون طن في الولايات المتحدة لوحدها. أمّا في العالم، فقد وصل المعدّل الكلّي لمنتجات البلاستيك إلى حوالي 8.3 مليار طن، منها 6.3 مليار طن قد تحوّل إلى مخلفات، وقد يصل الرقم إلى 12 مليار طن في عام 2050 وفقاً لبحث نُشر في مجلة Science Advances العلمية.

يضر البلاستيك بالبيئة بشكلٍ مباشر، فهو يؤدي إلى تسميم التربة والمياه مما يؤثر على السلسلة الغذائية للإنسان، كما أنه يؤدي إلى مقتل الكثير من الكائنات الحية نتيجة اختناقها بالأكياس وغيرها من المخلفات، ويؤدي إلى تخريب محيطها البيئي.

هنالك العديد من الحلول التي يعمل على تطويرها الكثير من العلماء حول العالم الآن. واحدة من هذه الحلول مثلاً استخدام “ديدان الطعام mealworms” لالتهام البلاستيك، حيث وجد الباحثون أن أحشاءها تحتوي على كائنات عضوية يمكنها هضم بعض أنواع البلاستيك، بحسب دراسة مشتركة في جامعة ستانفورد بين قسم الهندسة البيئية والمدنية. وفي دراسةٍ سابقة، وُجد أيضاً أنَّ “الديدان الشمعية waxworms” يمكنها القيام بنفس عملية التحليل لأنواعٍ محددة من البلاستيك. ولكن المشكلة تكمن في بطئ العملية، حيث استغرق تفكيك حوالي 40 مليغرام من الستايروفوم Styrofoam يوماً كاملاً.

واحدٌ من الحلول الأُخرى هو ابتكار نوعٍ جديد من البلاستيك القابل لإعادة التدوير recycle بسهولة. فالبلاستيك التقليدي الذي نستخدمه يومياً لا يمكن إعادة تدويره بتلك البساطة، كونه يحتوي عدداً من المركبات الكيميائية المعقدة والمختلفة التي تدخل في صناعته، مما يخلق تحدياً تقنياً هائلاً لإعادة تدوير منتجات البلاستيك المتباينة.

ولكن النوع الجديد يتم صناعته باستخدام روابط ديكيتوينامينية diketoenamine، ويعرف باسم البولي ديكيتوينامين Poly(diketoenamine)، أو اختصاراً باسم PDK. حيث يسمح هذا الأسلوب المبتكر بتركيب وإعادة تركيب بوليمرات البلاستيك عدداً لانهائياً من المرات، وهو ما يسهّل عملية إعادة تدوير البلاستيك لحل مشكلة التلوث الكارثية.

مهما بدت الحلول المطروحة أمامنا اليوم واعدة، فإنها محض حلول تعالج الأعراض ولا تدخل في صلب المشكلة، والتي تنبع من رحم النمط الاقتصادي والاستهلاكي للبشر. ذلك لا ينفي بالطبع أهمية هذه الحلول ودور العِلم في مواجهة مشاكلنا، لكن علينا أن لا نتفادى أيضاً جذر المسألة برمتها، وهو جشع الإنسان وسعيه الذي لا ينتهي نحو الربح. فلعلّنا نوظف العِلم وطاقاتنا التفكيرية لتغيير الأساس، تغيير المنهج، لخلق عالمٍ أفضل، عالمٍ ممكن.

أضف تعليق