عن خوفٍ لا خصال له

تخيّل أنك تعيش في مدينة كبيرة أشبه بالقلعة المحصنة، يعلو مبانيها عدد من المدافع الضخمة الموجهة نحو خارج أسوار المدينة الشاهقة، وأن عملك اليومي، بل وحياتك اليومية حتى، يتلخصان فقط في الذهاب إلى موقع أحد هذه المدافع، الأقرب شكلاً إلى “المصنع” في التنظيم والبناء، وتلقيم المدفع بالذخيرة، حتى يأتي القائد الرمز ليطلقها بتفانٍ مقنِع، ومن ثم تتقاضى الأجر وتعود إلى منزلك لتنتظر يوماً جديداً من شريطٍ لا ينتهي… صورة ديستوبية لعالمٍ بشع بلا شك.


ولكن هذا الواقع الرمادي القاتم هو ما يرسمه المخرج الياباني كاتسوهيرو أوتومو Katsuhiro Ôtomo في الفيلم القصير Cannon Fodder عام 1995. حيث تتناثر الأجساد النحيلة الشاحبة للعمّال في أطراف هذه المدينة، وهم ليسوا عمّال مصانع تنتج السلع الأساسية على أي حال، بل عمّال مصانع تنتج الحرب.
في ذلك المجتمع البائس، يعيش البشر حياتهم في قلب آلة الحرب، يتمركز اهتمامهم نحو تأمين الحماية من “العدو” المجهول، حيث يتجنب كاتسوهيرو متعمداً إظهار ذلك العدو (إن كان موجوداً بالأساس)، فكل ما يمكنك أن تراه في الأفق هو محض أتربة متصاعدة وغيوم متفرقة، لا تشي بوجود تهديد حقيقي لتلك المدينة التي يعتقلها خوف دائم من الخارج المبهم، المدينة التي تُغرقها بروباغندا الشعارات الوطنية والامتثال الأعمى لأوامر السلطة، المدينة التي يتحوّل فيها فِعل إطلاق المدفع إلى حلم طفل صغير يتطلع إلى ذلك يومياً.

يقول زيغمونت باومان في كتاب “الخوف السائل” أن “الخوف يأتي في أفظع صوره عندما يكون متفرقاً، ومنتشراً، وغامضاً، ومشتتاً، ومتقلباً، وعائماً، من دون عنوان واضح، ومن دون سبب واضح، وعندما يستحوذ علينا من دون سبب معقول، وعندما نشعر بالخطر الذي نخافه في كل مكان، ولا يمكننا أن نراه في أي مكان”.
وكأن باومان يتحدث عن فيلم كاتسوهيرو، ولكنه في الواقع، وللأسف، يتحدث عن مجتمعات ما يسمّى بـ “ما بعد الحداثة”. مجتمعات اليوم التي يسكنها اللايقين والاضطراب الدائم، مجتمعات يُعاد تدوير الخوف فيها وإدارته مِن قبل مَن يدّعون انتهاء زمن الخوف، مجتمعات تعاني من الاغتراب وانفصال الخوف عن مدلولاته الحقيقية، حيث أن “ردود الأفعال الدفاعية أو العدوانية من أجل تخفيف الخوف قد لا تتوجه إلى الأخطار المسؤولة حقاً عن الشعور بعدم الأمان”.
ثمة مقاربة مبطنة بين عالَم كاتسوهيرو -بالرغم من الصورة المبالغة التي يعرضها الفيلم- وبين عالَمنا اليوم. فنحن نعيش حالة حرب مستمرة مع “عدو” مختلق، ينتابنا “خوف مشتق” من أخطار لا ندركها، كتهديد زوال النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي نستند إليه. تلك الأخطار التي تقبع بين السحب المشتتة في الأفق، لا تبدو واضحة المعالم، ومع ذلك، ما زلنا نذهب إلى “المصنع” كل يوم، ونلقّم الذخيرة الافتراضية، ونطلقها نحو الخلاء.


أظهرت تجارب عالِم النفس الأمريكي ستانلي ميلغرام في ستينيات القرن الماضي، والتي توّجت بنشر دراسة تحت عنوان “Obedience to criminal orders: The compulsion to do evil”، أنَّ ضمير الفرد وشعوره الواعي بالأذى إزاء الطرف الآخر يذوبان تماماً خلف شعور الواجب والطاعة. فالإنسان البسيط الاعتيادي الذي لا يحمل أي نزعات عدوانية، قد يتخذ أحياناً قرارات كلية القسوة لها تبعات مدمرة دون أن يشعر بالذنب أو القلق من وجود متضررين، إذا كان هذا القرار نابعاً من التزام الشخص تجاه سلطة هرمية تجسد، قانونياً على الأقل، الحلقة العليا في السلسلة.
في لوحة كاتسوهيرو المتطرفة، كما في ألمانيا النازية وغيرها، ينطبق الحديث السابق بشكلٍ مباشر. أمّا في الأزمنة السائلة، كما يعبّر باومان عن ذلك، تسود سيولة الفكر والمشاعر والحقائق والمؤسسات والسياسة، لا شيء ثابت صلب يمكن البناء فوقه أو تعريفه بدقة، فيصبح بالتالي السلوك الدفاعي/العدواني الناجم عن الخوف أكثر نعومةً، أكثر مراوغةً، ولا يحمل ذات العبئ الأخلاقي.
نحن نُطلق النار مجازياً، وربما حرفياً في بعض الأحيان، على كل ما يهدد استقرار المنظومة القائمة، مدفوعين بالخوف من فقدان مكتسباتنا المتواضعة، وبواجب الطاعة للسلطة التي تروّج لنفسها كصمام أمان، غير مدركين أنَّ العدو ليس خارج أسوار المدينة. كما أننا على أتم الاستعداد أيضاً، مهما بدت مجتمعاتنا متحضرة وسلمية، أن ننقلب إلى غرائزنا الأولية الأكثر شراسة وقسوة، على حد تعبير فرويد في كتابه “أفكار لأزمنة الحرب والموت”، بمجرد أن تقرع الحرب طبولها. فالحرب تحرر الإنسان من أوهام السلم، أو أوهام زمن السلم، ليستحيل كائناً منزوع الضمير (في غياب التوبيخ الجماعي) قادر على ارتكاب أفظع الأفعال باسمها.


المجتمعات الصناعية الحديثة مشحونة بالاستعداد للحرب على الدوام، مع أنها تبدو مكبّلة بالقوانين الناظمة أحادية الجانب، ويطغى عليها السلم العالمي الهش. دعايات الحرب (النفسية في هذه الحالة) تتستر خلف مصطلحات على شاكلة “تمرد”، “انقلاب”، “إفلاس”، “وظيفة”، “هجرة”، “لجوء”، “استعراض”، “منافسة”، “طبقة”، “استهلاك”، وغيرها. كل ذلك يسوق تأهبنا المتواصل لنكون ترساً في مطحنة الواقع.


يقول باومان أنَّ “الدولة تختزل المعركة ضد المخاوف إلى عالم “سياسة الحياة” التي يديرها الفرد بنفسه، وتَعْهَد بإمداد أسلحة المعركة إلى الأسواق الاستهلاكية”. فالإنسان الحديث مُلقى وحيداً في صحراء الواقع، يُقصف في كل لحظة بوابل من عبارات الشحن ودعوات التفريغ، حالات مفرطة من النشوة اللحظية يتبعها قلق وجودي عارم، دائرة مغلقة تجرّنا نحو سيكولوجيا الحرب، وإن كانت المدافع تطلق نيرانها في العدم.

أضف تعليق