يتحدث فيلم الخيال العلمي Surrogates الذي عرض عام 2009، حول عالم مستقبلي تسوده أجساد آلية بديلة للبشر، يقوم الإنسان بتحريكها من غرفته عن طريق قناة خاصة للتحكم عبر الدماغ. تنتزع هذه الروبوتات الحيوية biorobots التواصل المباشر بين الأفراد، ظنّاً بأنَّ ذلك يجنب الإنسان خسارة الأرواح وتناقل الأمراض المعدية والكوارث.
ثمة ميل كبير في الأوساط العلمية اليوم لتحويل قصص على تلك الشاكلة من رحم هوليوود إلى قلب الواقع. على الرغم من أنَّ ما يطرحه هذا الفيلم الخيالي ليس بعيداً تماماً عن واقعنا. فنحن نخلق نسخاً من أنفسنا ونطلقها في عوالم افتراضية، لتتفاعل مع الآخرين بدلاً عنّا. وقد تدرك أن هذه النسخة لا تشبهك، فهي ليست إلا تمثيلاً افتراضياً لما تريد وترغب بأن تكون عليه.
على أية حال، لنتحدث أكثر حول هذا التطور العلمي، وأين وصل في مسعاه نحو تحقيق التحكم الكلّي بالإلكترونيات عبر الدماغ.
تختلف مسمّيات هذه التكنولوجيا بحسب التطبيق والغاية. ولكن أكثرها شهرة هو ما يسمّى بوسيط الحاسوب-الدماغ brain–computer interface، أو اختصاراً BCI. وهي تنقسم إلى نوعين. الأول يتم من خلال تخطيط كهربية الدماغ Electroencephalography، أو EEG، دون الحاجة إلى عملية جراحية بحيث يعمل الجهاز على قراءة تردد الإشارات الصادرة من الدماغ لاسلكياً، ويقوم بتحويلها إلى إشارات كهربائية مفهومة يمكن ترجمتها إلى أوامر حاسوبية.
أمّا النوع الآخر فهو يتطلب زرع رقاقة إلكترونية داخل الدماغ، تقوم وظيفتها على ترجمة إشارات الدماغ وإرسالها إلى الجهاز المستقبِل لأداء المهام المطلوبة.
وفي واحدٍ من أهم التطبيقات العملية المباشرة للنوع الأخير، تمكن العلماء في جامعة بوردو Bordeaux من زراعة رقاقة داخل دماغ قرد يعاني من الشلل نتيجة ضرر في عموده الفقري، ورقاقة أُخرى في الجزء الأسفل من العمود الفقري، بحيث تتصل الرقاقتين مع بعضهما البعض. وكانت المفاجأة المذهلة أنَّ القرد المصاب استطاع المشي من جديد، وذلك عبر تجاوز الربط السلكي، إذا صح التعبير، بين الدماغ والأطراف، من خلال نقل الأوامر بين الرقاقتين لاسلكياً.
ولكن كيف تعمل هذه التقنية الغريبة؟ وإلى أين وصلت في تطورها اليوم؟
بحسب تعريف دراسة نُشرت في ncbi، فإنَّ أي نظام حاسوبي يقوم بالتقاط إشارات الدماغ، تحليلها، وترجمتها، ومن ثم ترحيلها إلى جهاز آخر بغرض أداء وظيفة محددة، هو سطح بيني interface، أو BCI. ولكن ذلك لا يعني أنَّ الجهاز يستطيع قراءة الأفكار أو استخراج المعلومات كما تصوّر لنا أفلام الخيال العِلمي.
بدأت الأبحاث الفعلية في مجال قراءة الإشارات العصبية وترجمتها، في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي. فعلى سبيل المثال، تمحور طرح Vidal JJ في بحثه عام 1973 حول إمكانية نقل وتبادل المعلومات بين الإنسان والحاسوب بغرض التحكم بالأجهزة، أو الأطراف الصناعية بالأخص.
ولكن بقي نمو هذه التقنية حتى الآن بطيئاً إلى حد ما. فقد رزح تطورها تحت قدرة الحواسيب المحدودة ومعرفتنا المحدودة أيضاً لكيفية عمل الدماغ.
وحتى مع تطور التكنولوجيا الحالي، ما زالت أجهزة الـ BCI تقتصر على محاكاة وظيفة واحدة ربما أو إثنتين من وظائف الدماغ. فهي تتصل غالباً بالقشرة الحسية/الحركية sensorimotor cortex، لتمكّن الشخص من تحريك مؤشر الفأرة على شاشة الحاسوب مثلاً، أو التحكم بصورة ثلاثية الأبعاد لتمثيل حركة اليد، على أبعد تقدير. وفي بعض الحالات، التحكم بالأطراف الاصطناعية. أو إمّا أن تتصل بسطح القشرة الدماغية أو القشرة البصرية أو غيرها حتى، لاعتراض الإشارات القادمة من خلالها ومحاولة فك شيفرة هذه الأوامر.
هناك نقطة مهمة ينبغي ألا نغفلها هنا. فأجهزة الـ BCI لا تَستخدم الممرات العصبية neural pathways التقليدية لنقل البيانات بين الدماغ والحاسوب. بمعنى أنَّ الجهاز يحتاج وقتاً إضافياً بالضرورة لتعلّم قراءة هذه الإشارات وفهمها. وبالمثل، فإنَّ الشخص الذي يستخدمه مضطر إلى تدريب نفسه على تركيز الأفكار والتحكم بوظيفة واعية في وقتٍ واحد، حتى ينجح هذا الدمج بين الآلة والإنسان. وهو ما يضع مزيداً من العوائق والتحديات التكنولوجية أمام هذا المجال الجديد.
في بداية عام 2017، أعلن الملياردير إيلون مَسك عن إطلاق شركته الجديدة Neuralink، بعد أن قام بشراء حق الاسم من مبتكريه. تهدف هذه الشركة إلى تحقيق ما أسماه مَسك بالتكافل الحيوي symbiosis بين الإنسان والآلة، أو بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي AI. وذلك لأنَّ الذكاء الاصطناعي قد يشكّل خطراً على جنسنا في المستقبل القريب إذا تُرك دون رقابة، وفقاً له. فالغاية من التكافل هي ربط الأفراد ببعضهم البعض عبر شبكة الإنترنت، من أجل تبادل المعلومات والأفكار، وربما الذكريات. وبالتالي، تحسين الذكاء البشري وفرض السيطرة المباشرة على خوارزميات الحاسوب التي قد تفوق ذكاءنا يوماً ما. وقبل بضعة أيام فقط، حصلت الشركة على الموافقة من إدارة الغذاء والأدوية FDA الأمريكية، للبدء بالتجارب البشرية.
طموحات هذه الشركة تسبح في أفق الخيال العلمي، وكأنها امتداد لأفلام Matrix الشهيرة. فشخصية “نيو” تستطيع تعلّم القتال فقط عبر تحميل الملفات المناسبة إلى الدماغ.
ثمة الكثير من الإشكاليات الأخلاقية والفلسفية التي تحوم حول مسألة تطوير أجهزة وسيطة بين الإنسان والحاسوب. أو في دمج الإنسان بشبكة إنترنت الأشياء IOT. أو غيرها من التطبيقات التي تسعى إلى خلق بيئة تفاعلية بين الآلة والوعي.
فالسؤال هنا ينبع من إمكانية التضييق الكبير على مساحات الحرية والتفكير الفردي والجمعي، على الرغم من الآفاق الكثيرة التي يمكن لهذا المجال أن يفتحها أمامنا.
يزعم الباحثون أنَّ اختراق أجهزة الـ BCI المزروعة في الدماغ قد يكون بالغ السهولة، إذا وجدت طريقها إلى حياتنا في المستقبل. وهو ما يضع الأشخاص تحت خطر الموت، ويعرض بياناتهم الشخصية للسرقة والتلاعب. ناهيك عن مطامع الدول بفرض مزيدٍ من الرقابة على المجتمعات والأفراد، حتى على مستوى ما يجول في خاطرهم قبل النوم.
هذا النوع من الرقابة، الذي يبدو وكأنه قد خرج من إحدى روايات جورج أورويل، ليس غريباً عناّ اليوم. فمواقع التواصل الاجتماعي تشبه إلى حدٍّ بعيد فيلم Surrogates، من ناحية أنها توحي لنا بتواصل “غير محدود” عبر شخصيات افتراضية (أو رقاقات افتراضية) نخلقها ونعتني بصورتها. ومن ناحيةٍ أُخرى، فهي تعرض بياناتنا الشخصية للبيع في سوق الإعلانات المستهدفة، والرقابة، والنشر. إنها تقنية ذات حدّين بلا شك.

wow!! 108مسرح الأحلام البشرية | عالم آخر ممكن
إعجابإعجاب