التأمّل، والتأمّل المضاد

حاول أن تغلق عينيك الآن، ولا تفكّر بأي شيء لبضعة ثوانٍ.
حتماً فشلتَ في هذه المهمة. وربما لن ينجح أيٌ منّا فيها. ولكن لماذا؟
تصفية الذهن ليست مهمة سهلة كما نعتقد إطلاقاً. فعندما تحاول الجلوس في مكانٍ هادئ وكبح جماح أفكارك بإغلاق عينيك، لا بد وأن دماغك يوحي إليكَ بفكرةٍ ما بصورةٍ عفوية، مهما كانت تلك الفكرة، أو ربما تتذكر شيئاً كنت قد نسيته منذ مدة. فما السبب وراء عجزنا عن تصفية الذهن تماماً؟
في ثلاثينيات القرن الماضي، قام طبيب النفس الألماني هانز بيرغر Hans Berger بطرح فكرة أنَّ الدماغ يعمل باستمرار دون استراحة، حتى عندما نظنُّ أننا لا نفكر في أي شيء. ولكنَّ المجتمع العلمي لم يلقِ بالاً للبحث أكثر في جذور تلك الفكرة. وفي سبعينيات القرن، جاءت الدراسات التفصيلية على يد العالم السويدي المختص بفسيولوجيا الدماغ دايفد إنفار David Ingvar، لتضع مزيداً من الاهتمام في تفسير هذه الظاهرة. حيث قام دايفد بالحفر داخل أطنان من البيانات وصور الدماغ والدراسات التي تتناول هذا الجانب، وتحديداً مسألة تدفق الدم blood flow في الدماغ، التي استنبط منها مناطق تفعيل النشاط العصبي.
فقد بيّنت صور الرنين المغناطيسي للأفراد الذين تم دراستهم حينها، أنَّ بعض أجزاء الدماغ، وأهمها الفص الجبهي frontal lobe، في حالة السكون rest state، قد ازداد نشاطه بصورةٍ غير متوقعة عندما طلبوا من المشاركين التوقف عن المهام التي تتطلب جهداً ذهنياً وإغلاق أعينهم والجلوس بهدوء.
ومع تطوّر تقنيات التصوير حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، كتقنية التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET، تمكنّا من كشف عددٍ آخر من المناطق التي يتم تفعيلها في حالة السكون. والتي أُطلق عليها اسم “شبكة الوضع الافتراضي Default Mode Network”. فهي مجموعة من المساحات العصبية في الدماغ التي لا تُظهر نشاطاً كبيراً في حالة الانخراط بمهام موجهة نحو هدف محدد goal oriented، أي أنها تتطلب نشاطاً واعياً للعمل على إنجازها. ولكنها في المقابل تُظهر نشاطاً أكبر في الحالة النقيضة، أي السكون.
في ورقةٍ علمية نُشرت عام 2001 تحت عنوان “الوضع الافتراضي لعمل الدماغ”، يحدد فيها الباحثون خطاً لرسم المقارنات، أو حالةً قاعدية baseline state، للنشاط الدماغي في حالة السكون، يمكن من خلالها وضع نقاط ضبط للنشاط العصبي في مختلف مناطق الدماغ. تسمّى هذه الحالة القاعدية باسم Oxygen extraction fraction، أو اختصاراً OEF. وهي تعني متوسط كمية الأكسجين المتوفرة للاستهلاك من الأنسجة والمنقولة عبر تدفق الدم. وهي تتوزع بشكلٍ متساوٍ في جميع أجزاء الدماغ، ولذلك تمَّ اختيارها لتكون مفتاح المقارنة كقاعدة ثابتة.
وعلى الرغم من التناقض في التعريف، إلا أنَّ الباحثين يجادلون بأن ارتفاع مستوى الأكسجين (OEF) فوق مستوى القاعدة، في منطقةٍ محددة من الدماغ يعني أنها غير فاعلة في تلك اللحظة، أمّا هبوط مستويات الأكسجين (OEF) تحت مستوى القاعدة تعني أنها فاعلة. ربما لأنَّ انخفاض منسوب الأكسجين يعكس نشاطاً عصبياً ما، أي أنَّ تلك البقعة تقوم باستهلاك الأكسجين في تلك اللحظة لإجراء العمليات الكهروكيميائية اللازمة.
المهم الآن هو ما لاحظته هذه الدراسة، التي شملت 19 شخصاً تم تقسيمهم ضمن مجموعات. فقد تبيّن أن المنطقة المسؤولة عن ترجمة الصور، أو القشرة البصرية visual cortex، قد تفعّلت في حال جلوس الفرد المشارك وأعينه مفتوحة. وهو أمر متوقع. في حين أنها توقفت عن العمل في حال إغلاق العينين، لتتفعل في المقابل مناطق أُخرى من الدماغ، كتلك المسؤولة عن الذاكرة، التخطيط، اللغة، والعلاقات الاجتماعية، بشكلٍ لاإرادي. والمسألة هنا تتعلق بتركيب الدماغ وآلية عمله. فما يحدث هو نتيجة طبيعية لذلك التشابك العصبي. بمعنى أنَّ الدماغ يحتاج إلى لحظات الهدوء من أجل تنظيم الأفكار وبنائها، لا تصفيتها. وهو ما يجعل من تصفية الذهن أمراً بالغ التعقيد، وربما غير ذو أهمية.
أضف إلى ذلك أنَّ بعض الدراسات الأُخرى قد وجدت علاقةً بين الاضطرابات النفسية وقوة تأثير شبكة الوضع الافتراضي. حيث وُجد أنَّ التشابكات العصبية في حالة السكون، وبالتالي الأفكار اللاإرادية، تكون أقوى عند وجود اضطراب الوسواس القهري OCD أو اضطراب القلق anxiety disorder مثلاً.
قد يعتقد البعض أنَّ التأمل meditation يساعد على تصفية الذهن تماماً في حالة الإرهاق. ولكن في الواقع إنه لا يسعى نحو ذلك الهدف على عكس الرأي الشائع. فوفقاً لقواعد التأمل التي تحمل اسم zazen، المشتقة من تقاليد الزن Zen، والتي تجمع بين البوذية والطاوية Taoism، يهدف التأمل هنا إلى احتضان الواقع، والانسجام مع اللحظة بدلاً من محاولة تجاهلها. لأنَّ التفكير المتكرر والرغبة بتصفية الذهن سوف تؤول إلى المزيد من تشويش الذهن. كلمة zazen تعني حرفياً “التأمل في وضع الجلوس”، وهي تركز على الهدوء الداخلي ومحاولة الانغماس في الأفكار، وليس القضاء عليها، وبالتالي تجاوز برمجة الوضع الافتراضي للعقل.
نماذج التأمل كثيرة، وتختلف من حضارةٍ إلى أُخرى. لا يهم الشكل أو المسار، فقد تكون الغاية واحدة. ولكن علينا إدراك أنَّ دماغ الإنسان أكثر تعقيداً مما نعرف. ومحاولة كسر هذه المعادلة ليست بالأمر الهيّن. ومن ناحيةٍ أُخرى، فالعِلم ما زال يواصل مسيرته في شق البحار لكشف ألغاز الكون، وواحد من أكثر هذه الألغاز غموضاً وجمالاً هو دماغ الإنسان.

أضف تعليق