تستيقظ في أحد الأيام وأنت تتساءل عن ذلك الحلم الغريب. شخصياتٌ لم تكن تعتقد مسبقاً بوجودها، مواقفٌ لا تترابط منطقياً، وأحداثٌ تتحدى الواقع وقوانينه.
لماذا نحلم؟ وكيف تتشكل الأحلام؟ وهل من أرضيةً مشتركة يمكن أن نفهم الأحلام على قاعدتها؟
لطالما كانت الأحلام مصدراً للإلهام في الفن والشعر والموسيقى، وأحياناً العِلم. حركة الفن السُريالي surrealist التي انطلقت في عشرينيات القرن الماضي مثلاً، قامت على أساس التوفيق بين الحلم والواقع، بين الوعي واللاوعي، بين ما نعرفه وما نجهله. وفي كتاب جون آردن John B. Arden المعنون “العلم، الثيولوجيا، والوعي”، يقول أنَّ الكيميائي الروسي دميتري مندلييف Dmitri Mendeleev ابتكر الجدول الدوري للعناصر بعد أن زارته الفكرة يوماً في حلم، حيث استيقظ مباشرةً وشرع بترتيب العناصر كما رآها في ذلك الحلم.
فهل من طريقٍ إلى سبر أغوار شذرات اللاوعي التي تراودنا أثناء النوم؟ أم أنها محض صورٍ عشوائية لا تفسير لوجودها؟
حاول القدماء مراراً تفسير الأحلام وفهمها على أرضيةٍ هشة من المعتقدات البدائية.
في الحضارة الإغريقية، ارتبطت الأحلام باسم مورفيوس Morpheus -ابن إله النوم، فهو الذي يزور البشر في أحلامهم على هيئة إنسان لإيصال الرسائل والنبوءات. كما اشتُقَّ علم دراسة الأحلام الحديث أيضاً من الكلمة الإغريقية أونيروس Oneiros وهي تعني حُلم، حيث يسمّى أونيرولوجي Oneirology، وهو عِلم وسيط ما بين السيكولوجيا وعلم الأعصاب.
ربما كانت أول محاولةٍ جدية لدراسة الأحلام هي أعمال سيغموند فرويد، وتحديداً كتابه “تفسير الأحلام” الذي صدر عام 1899. وعلى الرغم من ضعف الأدلة العملية التي تدعم نظريته، إلا أنها لاقت رواجاً في الوسط العلمي، حتى تاريخ اختراع أجهزة تصوير الدماغ على الأقل. تمحورت نظرية فرويد بشكلٍ رئيسي حول الرغبات الدفينة التي يمثلها الجزء الغرائزي في الوعي id، والتي يقمعها الأنا ego والأنا العليا super-ego ضمن ما يسميه مبدأ الواقع reality principle إزاء مبدأ اللذة pleasure principle، وذلك باعتبار أنَّ الأحلام هي تعبير اللاوعي عن نزواتنا، التي يعجز الوعي عن التصريح بها.
يصوّر فرويد المسألة وكأنها معركة بين الوعي واللاوعي. فقد تبدأ فكرةٌ ما بالنمو في لاوعيك، فكرة تحمل في بطنها رغبةً جنسية لا يمكنك الإفصاح عنها مثلاً. حيث يقوم اللاوعي بتمرير الفكرة عبر إخفائها داخل تجسيداتٍ رمزية تشير إلى تلك الفكرة، وبالتالي الحلم.
أمّا كارل يونغ Carl Jung فقد اقترح أنَّ الأحلام تعكس أكثر مما أسماه فرويد تحقيق الرغبات wish fulfillment. حيث عدّها وسيلة للتعبير عن المخيال البشري في أبسط لغةٍ ممكنة، وهي السرديات الأسطورية.
فالحُلم، وفقاً ليونغ، لا يحمل رمزيةً مبهمة تشير إلى نوايا خفية، بل تقوم بدورٍ تكاملي بين الوعي واللاوعي من خلال العناصر المباشرة للسردية.
حملت نظريات فرويد ويونغ تحديداً الكثير من الافتراضات غير المدعومة بالدليل، على الرغم من أنها ما زالت تشكّل أرضيةً صلبة لعِلم النفس الحديث، في جزءٍ منها. ولكن ما رأي علم الأعصاب الراهن والسيكولوجيا في ماهية الأحلام؟
ثمة العديد من النظريات التي تدرس هذا المجال من زوايا مختلفة، إلى الحد الذي يصعب معه حصرها في مقالٍ واحد، أو حتى توحيدها في إطار نظري واحد.
يمر الإنسان خلال نومه بأربع مراحل تمتد جميعها إلى 90 دقيقة تقريباً، حيث تتكرر هذه الدورات عدة مرات أثناء النوم. كان أول من اكتشف دورات النوم sleep cycles هذه هو يوجين أسِرنسكي Eugene Aserinsky في خمسينيات القرن الماضي، بمساعدة نثانيال كلايتمان Nathaniel Kleitman، عندما قام باستخدام جهاز تصوير الدماغ حديث الاختراع على ابنه، حيث تفاجأ بأنَّ النشاط الكهربائي للدماغ يمر بأنماطٍ متكررة، وهو ما أسماه “النوم التناقضي paradoxical sleep”، نظراً لطبيعة النشاط الدماغي الذي يكاد يكون أشبه بحالة الاستيقاظ.
تبدأ المرحلة الأولى فيما يسمّى NREM 1، حيث تتباطأ موجات الدماغ تدريجياً، ويتبعها المرحلتين الثانية والثالثة NREM 2 و NREM 3 قبل الوصول إلى النوم العميق، أو ما يسمّى REM sleep، وهي اختصار لجملة “حركة العين الخاطفة rapid eye movement”.
ففي هذه المرحلة، تقفز موجات الدماغ بصورةٍ غريبة إلى نشاطٍ مفرط إلى جانب حركة العينين السريعة، ومن هنا جاء الاسم REM، وفي هذه المرحلة تحديداً تحدث الأحلام.
تقترح أحد النظريات أنَّ الأحلام هي نتيجة عرضية لنشاط الجهاز الحُوَفِيّ أو الجهاز الطرفي limbic system في الدماغ، حيث يقوم هذا الجهاز ليلاً بعملية تنظيف cleanup للمخلفات الناجمة عن المدخلات الحسية العشوائية خلال اليوم. تلتقط القشرة الدماغية الواعية cortex الإشارات الصادرة منه، وتحاول خلق سيناريوهاتٍ منطقية لفهم هذا النشاط الكهربي، وبالتالي تتشكل الأحلام كوسيلةٍ لمحاكاة الجهد الذي يبذله الدماغ لإعادة ربط التشابكات العصبية وترتيبها أثناء النوم. تُعرف هذه النظرية باسم “نموذج التفعيل المصطنع Activation-Synthesis model”.
كما تذهب نظرياتٌ أُخرى إلى تفسيرات مشابهة من حيث المنطق، فالأحلام، وفقاً لها، ليست سوى آلية لتثبيت الذكريات وتفعيل مناطق التعلّم في الدماغ. بمعنى أنها وسيلة لإعادة إنتاج المهارات التي يتعلمها الإنسان يومياً، أو تجنب آثار المشاعر السلبية.
يرجح العِلم الحديث أفضلية التفسيرات الجديدة على تفسيرات فرويد وغيره، مع أنها تشكّل الأرضية النظرية لها. وكما قلنا سابقاً، فمن الصعب حصر جميع النظريات في مكانٍ واحد، كونها تتمحور حول فكرةٍ مركزية واحدة، بألوانٍ مختلفة.
هل يمكن أن نشهد يوماً تحقق فيلم Inception في الواقع، وأن تصبح الأحلام عالماً نستطيع بناءه والدخول إليه والخروج منه بسهولة؟ ربما، ولكن ما زالت الأحلام سراً من أسرار الدماغ البشري حتى مع كل ما نعرفه عنها. قد تكون منفذاً إلى اللاوعي، وقد تكون مخرجاً منه.
وقد لا يرتبط الحلم بالنوم أحياناً. فنحن نحلم دائماً بعالمٍ أفضل، بعالمٍ آخر ممكن. نحلم بكوكبٍ يتّسع لنا، ولآمالنا، وطموحاتنا، دون تسليعها في سوق الربح السريع.
