“مقلاع داوود”، “عربات جدعون”، “نجمة داوود”، “جناح صهيون”، وغيرها الكثير من الأسماء المستوحاة من مرويّات الأساطير التوراتية، والتي تستخدمها المؤسستين العسكرية والسياسية في كيان الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة لإضفاء طابع من الاستمرارية التاريخية على الدولة المصطنعة، أو ربما لصبغ هذا الهيكل المختلق بشيءٍ من الشرعية التاريخية في أذهان مناصريه، ومطبّعيه، شرعية تستند إلى فكرة أنَّ الوعد القديم بهذه بالأرض ما زال قائماً، ونحن هنا لتحقيقه. ولكن التاريخ يخبرنا بغير ذلك، فثمة مخزون جيد من الدراسات التي تفنّد معظم تلك المرويّات ورابطها التاريخي بيهود اليوم. دعونا إذاً نُبحر في مياه المجهول لنستكشف أين يقع الخلل، وأين تكمن الحقائق.
قرأتُ خبراً قبل عدة أيام، مفاده أن أكثر من ٩٧٪ من اليهود في فلسطين المحتلة اليوم، لا يملكون صلة تاريخية جينيّاً باليهود العبرانيين القدماء. وهي دراسة قامت بها جامعة جون هوبكنز الأمريكية، بحسب الخبر.
وكعادتي، وبما أني لا أصدق أي خبرٍ أقرأه فوراً قبل التأكد منه، قمت بالبحث عن تلك الدراسة المذكورة، وبمجرد أن بدأتُ البحث، انهالت علي النتائج التي تدافع عن أصالة اليهود في الأراضي المحتلة، وبالأخص الرد المعتمد من الذكاء الاصطناعي Gemini، النتيجة الأولى في أعلى الصفحة، وكانت كلها تُصاغ بلغةٍ دفاعية يشوبها الانفعال العاطفي، أشبه بطفلٍ صغير يحاول إخفاء سرقته لقطعة حلوى عن أمه.
وهي ظاهرة مقلقة في الوسط العلمي بالفعل، إذ تجد أحياناً العديد من الدفاعيات شبه-العلمية المتهافتة التي تسعى إلى شرعنة الاحتلال، أو تبرير الإبادة، أو تطبيع الانقسام الطبقي، أو غيرها الكثير. فالعِلم، بمعزل عن الظروف الخارجية، لا يمتلك منطقاً داخلياً مستقلاً يحرك اتجاه البحث وآلية تحليل النتائج وتفسير المعطيات، العِلم يدفعه الفضول وحسب، أما السياسة فهي التي تمول وتوجه وتحدد وتُخفي وتُظهر ما تشاء من العلوم. ومن هنا تأتي الانحيازات الفكرية بين الكثير من الأكاديميين في الغرب، وخاصة مراكز البحث الممولة حكومياً.
في الحقيقة، وحتى اللحظة، لم أجد تلك الدراسة، فقد وجدتُ عدداً من المقالات التي تشير لها هنا وهناك، ولكنني لم أجد الورقة الأصلية نفسها.
وجدتُ، بعد جهد مضن، ورقة بحثية نُشرت عام ٢٠١٢ في موقع ncbi المعتمد لعلوم الطب والبيولوجيا، لعالِم الجينات “الأمريكي-الإسرائيلي” إران الحايك، لا أدري إن كانت هي نفس الورقة التي أشار لها الخبر السابق، ولكن بحسب ما قرأتُ منها، يبدو أنها قد أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الصهيونية والإعلامية.
حيث تخلص الورقة، التي تَستخدم منهجية التتبع والبحث الدقيق في التسلسل الجيني ودراسة التطابقات في روابط الجينوم البشري، خلصت إلى أن يهود اليوم، الأشكيناز تحديداً -وهُم يشكلون ٩٠٪ من يهود العالم، يمتلكون جذوراً قوقازية-شرقية في الغالب، إلى جانب بعض الأثار من جنوب وشرق أوروبا وجزء من الشرق الأوسط، حيث قام الباحثون بمقارنة مجموعات واسعة ومختلطة من يهود الشرق الأوسط وأوروبا بالدلائل الجينية المتوفرة من مناطق القوقاز وشرق آسيا.
وتقول الورقة أن هذه النتائج تدعم وترجح كفة “فرضية الخزر Khazarian hypothesis”، التي يعدها الصهاينة افتراء تاريخي على اليهود ومؤامرة غايتها تفكيك السردية التي تقوم عليها دولة الاحتلال، ويسمونها “خرافة الخزر”.
فالخزر هم مجموعات عرقية متنوعة، تتكون في معظمها من التُرك الرحّل الذين استوطنوا في مناطق القوقاز وتحولوا إلى اليهودية في نهايات القرن السادس. وبحسب هذه الفرضية، فإن الرابط التاريخي الذي تستند عليه الرواية الصهيونية بأحقيتها في الأراضي المحتلة، هو رابط هش وغير متصل، وينفي المزاعم بأن الديموغرافيا الحالية لمستوطني الكيان أسبق وأوثق من وجود الفلسطينيين فيها.
أضف إلى ذلك أبحاث عالِم الآثار “الإسرائيلي” إسرائيل فينكلشتاين، والذي قام بحملات تنقيب استمرت سنواتٍ طويلة ما بين مصر والأردن وفلسطين، ليخرج بنتيجة مفادها أنَّ غالبية القَصَص التي أوردتها التوراة، “تعكس عالَم المؤلّفين اللاحقين وليس الحقائق التاريخية الفعلية”، أي أنها إضافات من نسج خيال الأجيال اللاحقة، حيث تم تحرير النصوص بغرض تعزيز الأثر النفسي لها واستخدامها لبناء هوية جامعة، من خلال المبالغة وإعادة تشكيل الأحداث بما يتناسب مع الموقف، ولا يمكن توظيفها في عملية توثيق دقيقة لمجريات الأحداث من منظور تاريخي، ولا يمكن ربطها بالواقع الحالي؛ وذلك نظراً لضعف، أو حتى انعدام، الأدلة الآركيولوجية والأحفورية والتاريخية عليها.
تبقى هذه الورقة مجرد قشة في بحر من العلوم المتراكمة، ولكن من المؤسف أن الدافع وراء جل الأبحاث الراهنة هو تأبيد الوجود الصهيوني بمحاولة تأكيد روايته؛ وحتى لو كانت هنالك دراسات علمية جادة تُبين انقطاع النسب الجيني، وبالتالي انحسار منظور الأقدمية المفترضة لسرقة الأرض تدريجياً، فيتم دفنها عادةً تحت ركام من الردود الدفاعية الهستيرية المتناثرة عبر الإنترنت، وتضيع الطاسة، ويستمر الاحتلال في بث أكاذيبه، وإجرامه.
المصادر:
- ورقة إران الحايك: https://shorturl.at/7FIdO
- كتاب إسرائيل فينكلشتاين: https://shorturl.at/74T08
