هل يمكنك أن تنجو من الانفجار الكمبري؟

تتداخل استخدامات الذكاء الاصطناعي اليوم تقريباً مع معظم البرمجيات التي تدير حياتنا بصورةٍ بالغة التعقيد، سواءً كنّا ندرك ذلك أم لا، بدءاً من شبكات التواصل الاجتماعي، إلى مواقع التسوق الإلكتروني، والهواتف وأجهزة التلفاز، وحتى السيارات الحديثة، الكهربائية والتقليدية. ومع انتشار التطبيقات التي توظف وكلاء الذكاء الاصطناعي AI Agents، وتأثيرها على سيرورة عمليّات التعلّم والتعليم، والبحث والتطبيق، ووسائل الترفيه والتسلية، وإدارة وتحليل البيانات، والكثير من جوانب الحياة الواعية للجنس البشري، باتت هنالك مجموعة من الأسئلة الأخلاقية والمعرفية التي تطرح نفسها بإلحاحٍ راهن: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتكاثر يوماً ما أو أن يصنع نسخاً من نفسه؟ هل يمكن له أن يتطور من تلقاء ذاته حتى يتجاوز المهام الموكلة إليه؟ هل نشهد انفجاراً كمبرياً في طبقة الشبكات العصبية الاصطناعية؟ وما هو مصير الإنسان في هذه الدوامة البيوتقنية؟

الانفجار الكمبري؛ توطئة تاريخية

ربما كان العنوان الأساسي مضللاً بعض الشيء، فالانفجار الكمبري ليس انفجاراً بالمعنى الحرفي.

يدرس علم الحفريات حقبةً تاريخية في الجيولوجيا تسمى العصر الكمبري Cambrian Period، والتي بدأت قبل أكثر من نصف مليار عام واستمرت حتى أقل من نصف المليار، وتتميز هذه الفترة بما يسمّى الانفجار الكمبري Cambrian Explosion، وهو مصطلح يرمز إلى التنوّع السريع في أشكال الحياة التي ظهرت خلال هذه الحقبة، حيث لاحظ الباحثون ظهور أشكالٍ أكثر تعقيداً من الحياة في تلك الفترة، من خلال مقارنة الأحافير والدلائل الجيولوجية التي تنتسب إلى العصر الكمبري إزاء أحافير العصر الإدياكاري Ediacaran Period، والذي سبق الفترة الكمبرية مباشرةً.

حيّر هذا التنوع المفاجئ العلماء وما زال الجدال قائماً حتى الآن. فالكائنات التي سادت العصر الإدياكاري كانت بسيطةً في تركيبها ووظائفها الحيوية، لنجد بعد بضعة ملايين من السنين أن المحيطات امتلأت بمئات الأنواع من الكائنات متعددة الأجهزة الحيوية ومعقدة البنية والوظيفة، وتُعد الأصل المشترك لعددٍ كبير من الكائنات الحية الموجودة اليوم. فما هي العوامل الكامنة وراء هذا التسارع المباغت في عمليات التطور؟ وكيف تمكنت الحياة من التوسّع بهذه الصورة لتتجاوز المهام الأوّلية التي كانت تقوم بها؟

ثمة العديد من الفرضيات التي تحاول تفسير هذا الانفجار ومسبباته ونتائجه، ولكن أكثرها شهرةً هما فرضية الأكسجين وفرضية المعادن:

  1. تشرح الفرضية الأولى أنَّ منسوب الأكسجين في الأرض، والمحيطات تحديداً، قد ارتفع إلى مستوياتٍ عالية تسمح بظهور هذا التنوع في الحياة، بل وتتطلب ذلك. حيث تطورت الطحالب التي تعمل بالتمثيل الضوئي photosynthetic algae في الحقبة التي سبقت الفترة الكمبرية، نتيجةً للعصور الجليدية المتتالية وتآكل الصخور، مما أدى إلى ازدياد كميات الأكسجين في المياه.
  2. أمّا الفرضية الثانية فتقول أنَّ المحيطات امتلأت بالمعادن، بسبب العصور الجليدية أيضاً، حيث ساهمت هذه المعادن بتطوّر أشكال معقدة من الحياة التي تحتوي على هياكل قشرية وأجهزة داخلية مستقلة.

إلى جانب عدد آخر من الفرضيات والتكهنات التي يدور بعضها حول مبدأ الطفرات التطورية، أو الجينية. والخلاصة التي تعنينا في سياق هذا الحديث، هي أنَّ الحياة قد امتلكت القدرة ليس فقط على تطوير نفسها بوتيرة متسارعة، بل على استنساخ نفسها في طيفٍ واسع من التنويعات الجديدة، بصورةٍ مفاجئة؛ وفي كل مرة كانت تعمل على تعديل الخصال السابقة انطلاقاً من المخطط البيولوجي السابق ذاته.

وهو ما يفتح الباب أمامنا لطرح مجموعة من المقاربات والتساؤلات التي تتأرجح بين الماضي والمستقبل مروراً بالحاضر المعاش. هل يمكن أن نشهد حدثاً مماثلاً للانفجار الكمبري في وكلاء الذكاء الاصطناعي، إلى الحد الذي تصبح فيه تلك الأدوات واعية كفاية لتطوير وتنويع واستنساخ نفسها؟

الانفجار الكمبري؛ مدخل تقني

ما زال تطوّر الذكاء الاصطناعي اليوم يمر ببطء وبالكثير من الصعوبات، العامة والخاصة. العامة من ناحية أنَّ الذكاء الاصطناعي ليس واعياً بذاته بعد -حسب مفهومنا للوعي البشري، ولا يعرف ما لا يعرفه. ومن الناحية الخاصة فإننا نفتقر إلى القدرات التقنية اللازمة لخلق ذلك الوعي. كما أنه لا يزال محكوماً بجملةٍ من الخوارزميات/القواعد التي تم تحديدها مسبقاً، ولا يزال أسيراً لضحالة البيانات التي يتعلّم ويتطوّر من خلالها. فالذكاء الاصطناعي الحالي لا يعمل بنفس آلية عمل المنطق البشري، بل يتوصل إلى نتائجه عبر تطبيق النماذج الرياضية المبرمجة من قبل ويقوم بتحسين تلك النتائج مع مرور الوقت، ومن هنا يأتي مفهوم تعلّم الآلة Machine Learning، ولكن مع ذلك تبقى هذه النتائج محصورة ضمن إطار ضيق للمخرجات والأولويات والمهام الموكلة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

قبل نصف مليار عام، كان يلزم الحياة على الأرض محفّزٌ ما catalyst كي تتمكن من اتمام الانتقال الرشيق هذا إلى التنوّع الهائل والمعقد، والذي رسم لوحة الطبيعة لملايين السنين اللاحقة. فهل من المحتمل أن نشهد هذا المحفّز التقني في عصرنا، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تطوير نفسه إلى الحد الذي يتجاوز فيه ذكائنا البشري؟

تشير بعض التقديرات إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي سوف يتخطى الذكاء البشري بحلول، أو بالاقتراب، من عام 2050. وربما أقل من ذلك بكثير. في ورقةٍ بحثية صدرت بداية عام 2025 من مختبرات توفا Tufa Labs، يقدّم الباحثون نظاماً جديداً لنماذج اللغة الكبيرة LLM القادر على تطوير نفسه، أُطلق عليه اصطلاحاً اسم LADDER، وهي اختصار لعبارة “التعلّم من خلال التكرار الذاتي القائم على الصعوبة”، وبالرغم من أنَّ عملية التطوير تحدث تلقائياً دون تدخل أو توجيه، إلا أنها تبقى محض عملية تطوير لدقّة النتائج وسرعة الاستجابة فقط. أي أن النموذج ليس قادراً على إعادة كتابة النص البرمجي المصدري source code الخاص به بعد.

وفي ورقةٍ بحثية أُخرى، صدرت بعدها ببضعة شهور، تمكّن الباحثون من تطوير نموذج جديد قادر على تعديل المعلّمات الفائقة Hyperparameters الخاصة به. هذه المعلّمات هي الإعدادات المسبقة التي يتم من خلالها تحديد والتحكم بآلية التعلّم بصورةٍ مستقلة. وبالتالي، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تطوير نفسه من خلال تحسين عملية التعلّم. ولكن المشكلة الكارثية كانت في أنَّ النموذج اللغوي ينسى ما تعلمه آنفاً كلّما حاول تعديل نفسه تدريجياً.

ربما تكون النماذج اللغوية القادرة على تعديل نصوصها البرمجية ضرباً من ضروب الخيال العلمي اليوم؛ أو مبحثاً نظرياً وحسب. فانفجار كمبري تقني سيسمح بظهور أشكال أكثر تعقيداً من الذكاء الاصطناعي، أو الذكاء الاصطناعي العام AGI، الذي يحاكي الوعي البشري من ناحية سعة التكيّف والإبداع والتعميم والإحساس بالمشاعر. الذكاء الاصطناعي الحالي يضاهي الدماغ البشري في سرعة ودقّة العمليات الحسابية الضخمة، بل يتفوق عليه، ولكنه يفتقر إلى العتبة المطلوبة للوصول إلى ما نسمّيه وعياً، أو ما نعتقد أنه الوعي. يقول مؤلّفو كتاب “عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبلنا البشري” أنه “حتى لو لم يعرف الذكاء الاصطناعي شيئاً ما بالطريقة التي يستطيع بها العقل البشري، فإن تراكم التطابقات مع أنماط الواقع يمكن أن يكون تقريبياً وأحياناً يتجاوز أداء الإدراك والعقل البشري”.

الانفجار الكمبري؛ نهاية مفتوحة

ما هو المحفّز المطلوب لحدوث الانفجار الكمبري الجديد (أو ما يسمّى الانفجار الإدراكي intelligence explosion)؟ وهل يمكننا أن ننجو منه في حال حدوثه، أم أنَّ الواقع الذي سيفرض نفسه سيكون أكبر وأصعب مما نحتمل؟

من الواضح، وبحسب المعطيات الراهنة، أننا ندخل الآن حقبةً جديدة من التاريخ، حيث ينسحب فيها الذهن البشري من برجه العالي المتعالي بوصفه المخترِع والمبدِع والمكتشِف المتفرد لهذا العالم وظواهره، مع اعتمادنا المتزايد على رقمنة الواقع وإلقاؤه في أحضان الذكاء الاصطناعي. في ورقةٍ بحثية جديدة تحت عنوان “آلة داروين غودِل The Darwin Godel Machine”، يطرح الباحثون نموذجاً قادراً على التطوّر الذاتي فيما يشبه عملية الانتقاء الطبيعي، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بتعديل نصوصه البرمجية عقب مرورها بعملية انتقاء تكيّفية غايتها الإبقاء على النصوص التي تخدم مهامه بصورةٍ أفضل. وهي نقلةٌ نوعيةٌ في السباق نحو تحقيق الذكاء الاصطناعي العام. ولكن مجدداً، يبقى هذا التطوّر مقيّداً بالتعليمات التي يعمل النموذج وفقاً لها.

قد نتمكن يوماً ما من بناء نماذج لغوية تحتوي بداخلها على مخطط blueprint لعمل نسخٍ ذاتية، وربما تضيف بعض التحسينات في كل مرة تعيد إنتاج نفسها. قد يصبح حلم الفيزيائي فون نيومان ببناء آلات ذاتية التكاثر self-replicating machines قاب قوسين أو أدنى، وقد نشهد ذلك المحفّز الذي سيفجّر ثورة الذكاء الاصطناعي قريباً جداً.

ويبقى السؤال ذاته معلقاً: ما هو مصير الإنسان في هذه الدوامة البيوتقنية؟ طالما أنَّ الذكاء الاصطناعي بات “مُفرِزاً للواقع ومُشكّلاً له – وفي واقع الأمر، فاعلاً على المسرح الوطني والعالمي”، بحكم تداخله المتزايد في حياتنا اليومية، وتأثيره الواضح على الجوانب الإنسانية/الاجتماعية والقانونية والسياسية والفلسفية والأخلاقية دون أدنى اهتمام من الكثيرين، هل ينبغي علينا تشييد خط الدفاع الأول من الآن، لنستبق الانفجار الإدراكي وتفاعلاته التي قد لا نستطيع توقّع نتائجها؟ أم علينا تحييد مخاطر انفجار الذكاء الاصطناعي الكمبري بتجنب المرور به كلياً أو إلقاء الرغبة في تحفيز وتسريع الانفجار خلفنا؟ وما هي الغاية النهائية من هذا السباق أساساً؟ هل سيكون الإنسان هو الحكم أم الجائزة؟

أضف تعليق