العاقل، ليس عاقلاً دائماً

الإنسان العاقل Homo Sapiens، هو الكائن الذي فرض سيطرته على هذا الكوكب منذ نحو 12 ألف عام، أي مع بداية الثورة الزراعية ونشوء التنظيمات الاجتماعية الأولى والدول وبوادر الحضارة البشرية؛ مع أنَّ جذوره التطورية تعود إلى ما قبل ذلك بكثير، إلى ما يقارب الـ 300 ألف عام. تميّز هذا الكائن، مقارنةً بالأجناس البشرية الأُخرى، بامتلاكه دماغاً أكبر وقدرة على استخدامه بمهارة. تطورت معه اللغة والفنون وصناعة الأدوات وخصال متعددة تتعلق بالتفكير الرمزي والتجريدي. كان العالِم السويدي كارل لينيوس Carl Linnaeus هو من اختار اسم العاقل لهذا النوع، حيث رأى فيه مقدرة استثنائية على التعقّل والتفكير المنطقي المعقد. ولكن، هل العاقل، عاقل دائماً؟

العاقل، تاريخ مختصر للنوع البشري

كتاب “العاقل” كتاب كبير نسبياً، حيث يقع في ترجمته العربية من دار منجول ضمن 526 صفحة؛ وهو كتاب إشكالي لا يسعك إلا أن تقف عند أفكاره لتتأملها وتناقشها، فقد تتفق مع بعضها وتختلف مع الأُخرى. يُعد الكتاب في الأوساط الفكرية كتاباً جدلياً يتعرض للمفهومات السائدة ويفككها إلى بنيتها الأساسية – بحسب مفهوم الكاتب، وهي مَلَكة التخيّل، ومن ثم يهدمها ويعيد بناءها.

والكاتب، يوفال نوح هراري، هو مؤرخ وفيلسوف (كما يروّج في موقعه الرسمي)، يسعى في كتبه إلى استعراض التاريخ البشري بتنوعه واتّساعه الهائل، وهي مهمةٌ يبدو أنه قد فشل فيها نظراً لضيق الأفق الذي يتحدث من خلاله، حيث يرى هراري العالَم من عدسة المركزية الأوروبية. إذ يسرد في كتاب “العاقل” تاريخ الكوكب من منظور الاستعمار وحسب، وينظّر هراري لفكرة أنَّ التوسّع الإمبريالي الأوروبي هو الذي أطلق شرارة الحضارة البشرية، برغم بشاعته ووحشيته القاسية، متناسياً الإرث الحضاري القديم لشعوب الأرض التي مسحها الاستعمار، ودوره في صناعة الحضارة وتطورها. وهذا الموقف الفكري ينعكس بوضوح في مواقفه السياسية الصهيونية المتناقضة، حيث صرّح في عددٍ من المقابلات أنه يرى فلسطين وطناً قومياً لليهود، وأنها الموطن الأصلي للفلسطينيين كذلك. ولكن على الفلسطينيين القبول بوجود الاحتلال لأنه احتلال حضاري تقدّمي ديمقراطي – وفقاً له، وهو نموذج للحضارة الأوروبية التي يعتدّ بها.

يجادل الكاتب يوفال أن جُلَّ الأنظمة التي تحكم حياتنا هي أنظمة متخيلة، وقد اختلقها البشر لتسيير وتنظيم شؤونهم. حيث يعود في ذلك إلى خصلة يتميز بها نوعنا البشري العاقل Sapien عن الأنواع الأُخرى المنقرضة، وهي القدرة على التجريد abstraction والتخيل، إذ أنها منحت نوعنا القدرة على ابتكار منظومات وشبكات اجتماعية وثقافية متخيلة، جاءت منها عناصر الدين واللغة والطبقات وكل أشكال الانتماء الواعي وغير الواعي، بغية الحفاظ على تماسك النسيج النوعي للإنسان ودفعه للتعاون الجماعي والتطور.

المشكلة في هذا المنظور، كما يُكمل ويَشرح الكاتب لاحقاً، أنه يقيم حاجزاً وهمياً بين المتخيَّل والمادي، بين الخيال وصاحب الخيال. حيث يُشير في أكثر من موضع إلى أن تغيير المنظومة الاجتماعية القائمة يتطلب تغيير وعي ملايين البشر، أو ربما جميعهم، دفعةً واحدة، وذلك لأنها محض نظام متخيّل يرزح في عقولهم فقط. وطبقاً لهذا المنطق العاجز، فإن المنظومة الرأسمالية التي تحكم عالَمنا اليوم، جاءت من رحم الخيال المحض، ولكنّه خيالٌ يتفق عليه أغلبية البشر، وبالتالي يستحيل تغيير مصائر الشعوب كونها اتفقت بصورةٍ جماعية على هذا النظام غير العادل، الذي جلب السعادة للكثيرين بنفس مقدار البؤس الذي أنزله على الملايين غيرهم.

وعلى الرغم من أن الكاتب يؤكد في موضع آخر أن التراتبيات الاجتماعية السياسية ليست سوى قصص متخيلة، ولا معنى حقيقي لها من الناحية البيولوجية أو العملية البحتة، إذ أنها “قاعدة صلبة في التاريخ أن تتنصل كل تراتبية متخيلة من أصولها المتخيلة وتدّعي أنها طبيعية ومحتومة”، وهي فكرة ثاقبة وغاية في الأهمية، إلا أن هراري يقرر خسارة المعركة قبل خوضها.

تكمن العلة هنا في أن الكاتب يحرم الإنسان من قدرته الواقعية والحقيقية على التغيير الثوري، وذلك بتحويل الصراع إلى ساحة الذهن وحده، متناسياً، أو ربما متجاهلاً، القوة المادية التي تمتلكها الأفكار على أرض الواقع. ولكنَّ التاريخ يعلّمنا أن الأفكار لها القدرة على تحريك الجموع، عندما تلتحم بالجماهير وتنطلق من معاناتهم وإدراكهم لها. الأفكار ما هي إلا انعكاس لواقع موضوعي معاش، وإذا لم ترتدّ منه وإليه فستبقى سجينة الدماغ والأوراق، وستصبح مقارعة الأفكار بالأفكار محض جعجعة بلا طحين.

يقول الكاتب في معرض حديثه عن تمرحل التاريخ البشري: “قانون الطبيعة البوذي وقانون التاريخ الماركسي ينتميان لما هو فوق بشري، لأنهما لم يشرَّعا من قبل البشر، ومع ذلك فهما لا ينتميان لما هو فوق طبيعي.”؛ يتحدث الكاتب هنا عن المنطق السائد الذي يَنظر إلى حتمية التاريخ بعين ماركس. يبدو أن هراري يخطئ في فهمه للماركسية، حيث يبدو قانون التاريخ هنا قائماً بذاته بمعزل عن الإنسان، وفقاً لمنطق الكاتب، أي أن البشر لا حول لهم ولا قوة في سيرورة تطور التاريخ، وكأن المجموع البشري بتعقيده وتشابكه وأنماط إنتاجه وثوراته وتناقضاته وصراعاته المختلفة، لم يكن هو وراء هذا القانون، أو لنقل المسار التطوري التاريخي الذي يفترضه القانون، وكأن الإنسان محض متلقٍ يكافح من أجل امتطاء عربة التاريخ – كما تكافح الحياة قانون الإنتروبي من أجل استمرارها. يَنظر هراري إلى مفهوم الماركسية عن التاريخ على أنه فوق بشري، لأنه قابع في بطن التاريخ، مغترِب عن الإنسان ومفصول عنه، وما علينا إلا التلاعب والتحايل على الواقع لتحقيق حتمية هذا القانون وإيصاله إلى المحطة الأخيرة. فِهمٌ أقرب إلى اللاهوتي منه إلى العلمي للماركسية، يحاول أن يضع المنطق المادي الجدلي في نفس سلة الأديان.

يقع الكتاب في أكثر من موضع بجملةٍ من الأخطاء المنهجية المتشابهة؛ فهو، على الرغم من ثوريته الظاهرة تجاه المعتقدات السائدة وما تمثله من حالة استاتيكية للمجتمع، يضع الذهن عاجزاً حائراً أمام نفسه، ويختزل خياراته إلى الاستسلام للواقع والمشاركة الجماعية في التقاط ثمار الحضارة فقط. أو بحسب تعبير الكتاب: “قد لا نحب الرأسمالية، لكننا لا نستطيع العيش بدونها”، فيما يؤدي إلى مسارٍ انهزامي رجعي مستوحى من أسطورة نهاية التاريخ لفوكوياما.

جاء الجزء الثالث من الكتاب تحت عنوان “توحيد البشرية”، وفيه يطرح هراري مسألة السيرورة التاريخية التي يبدو أنها تتجه من التنوّع والتعدد المطلوب نحو الاندماج والتوحيد الخانق، مستنداً بذلك إلى دلائل مبهمة من انحسار اللغة والأديان والإمبراطوريات البائدة، منهج غائي teleological في التحليل يحبس التاريخ ضمن سردية واحدة تحتّم عليه حصراً الوصول إلى النتائج التي نعيشها اليوم. مع أنَّ الاستعمار نفسه هو الذي طمس حضارات ولغات وشعوب بأكملها من سجلّ التاريخ، وادّعى أنَّ الانهيار كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً. فالتطوّر الطبيعي للتاريخ لا يسير كما يشتهي هراري.

ثمة الكثير والكثير من الجوانب التي يمكن تغطيتها في هذه القراءة للكتاب، ولكنّي لن أضيف شيئاً جديداً لما قاله الكثيرون في مراجعاتهم للعاقل من قَبل. ولذلك ارتأيت تركيز النقاش في النقاط السابقة، والتي أزعم أنها لم تُطرح للتحليل والنقد الجاد مسبقاً إزاء هذا المؤلَّف الدسم. فلعلها تكون مدخلاً لنقاشاتٍ أُخرى أكثر عمقاً وتأثيراً.

مقدمة متأخرة

اكتسب كتاب “العاقل” ومؤلِّفه شهرةً ضخمة لعددٍ من الأسباب الواضحة، على الرغم من النقد الواسع له من قِبل الأكاديميين والباحثين، حيث يتّبع هراري أسلوباً رشيقاً ممتعاً في الكتابة، ويقوم بتبسيط المسائل التاريخية الشائكة – ربما أكثر من اللازم، وهو ما يلقى استحسان الجمهور غير الأكاديمي.

أضف إلى ذلك الأفكار المبهرة والثورية التي يطرحها الكتاب في مواجهة التكلّس الثقافي الذي نعاني منه، فهو كمن يلقي حجاراً في بركةٍ آسنة. يهاجم المسلّمات التي تتمترس خلفها قناعات بالية، ويفكك كل ما هو سائد وتقليدي وشائع. ولكن، عليك أن تقرأه بحذر وبعين نقدية تنفذ إلى قلب النص وروحه، كما تقرأ أي نصٍّ آخر بالتأكيد.

بصورةٍ عامة، هو كتاب يستحق القراءة بتمعّن، إلا أنه لا يخلو من الهفوات العلمية والتبسيط المفرط الذي يُفرغ المحتوى من العمق والمضمون أحياناً، كما أنه مليء بالتحيّزات الفكرية الجليّة، والسياسية كذلك، وهي الأهم في هذا السياق. فالكاتب يغلّف اصطفافاته الاستعمارية بلغةٍ علمية سلسة سهلة الهضم؛ ومن الناحية النظرية، فهذا الكتاب المثير للجدل يشكّل إضافة قيّمة للمخزون الفكري في مجابهة القيود الرجعية التي تفرضها المجتمعات على التفكير الحر والتساؤل والنقد المنطقي المتعقّل. ولكن، في ضوء كل ما سبق علينا أن نسأل، هل العاقل حقاً عاقلٌ دائماً؟

أضف تعليق