العزلة في عالمٍ متّصل

إذا لم تكن تتثاءب كثيراً، وتحديداً عندما يتثاءب شخصٌ أمامك، هل يعني ذلك أنك قد تكون مصاباً بالتوحّد؟

لكن ما علاقة التثاؤب بالمرض (أو “الحالة” بحسب التصنيف الجديد الأكثر تفضيلاً)؟ وكيف يمكننا فهم هذه الأعراض -التي يعاني منها واحد من بين كل 127 شخص حول العالم في المتوسط، بحسب منظمة الصحة العالمية لعام 2021- من منظورٍ واقعي؟

ثمة عدد من الدراسات تربط بين عدوى التثاؤب والخلايا المرآتية mirror neurons في الدماغ، حيث يتحوّل السلوك العفوي الناجم عن الإرهاق إلى حالة معدية، وذلك بسبب “المحاكاة اللاواعية” التي تنتج عن تفعيل الخلايا المرآتية في دماغ الإنسان. وسنعود إلى هذه الفكرة وعلاقتها بالتوحد لاحقاً.

تٌحدد النسخة الخامسة للدليل الإحصائي والتشخيصي للاضطرابات النفسية DSM-5 حالة التوحّد ضمن مجموعة من الأعراض، التي تندرج تحت باب “طيف اضطراب التوحد Autism Spectrum Disorder”، وقد وُسم بصفة الطيف لأنه يحتمل ثلاثة مستويات متفاوتة للحالة. ويتم تحديد تلك المستويات وفقاً للأعراض التالية:

– التبادل الاجتماعي. بمعنى كيفية تفاعل الطفل مع الآخرين حوله، ودرجة انخراطه في الأنشطة الاجتماعية التي تتطلب المشاركة والتبادل.

– سلوكيات التواصل غير اللفظية. بمعنى درجة تقبّل الطفل، أو رغبته، بالتعبير غير اللفظي عن احتياجاته بالإشارة، وتأويل إشارات الآخرين أيضاً، كالابتسام أو البكاء أو الغضب.

– العجز عن إقامة العلاقات مع الآخرين، أو المحافظة عليها، أو إدراكها. بمعنى أنَّ الطفل يجد صعوبة في تعديل سلوكه لملاءمة الظرف الاجتماعي، ومن ثمَّ غياب الميل نحو الأقران أساساً.

ظهور الأعراض السابقة لدى الأطفال في سن الثالثة، أو تحته، يدق ناقوس الخطر. لكن ما السبب الحقيقي وراء التوحّد، بصرف النظر عن درجته؟

هنالك أكثر من مستوى لإجابة ذلك السؤال. دعونا نستكشف الآن بعضاً من جوانبه.

وفقاً لبعض الدراسات، يعود السبب الرئيسي للتوحّد إلى خللٍ وراثي في أحد الجينات، حيث يحدث خطأ ما في طباعة الخارطة الجينية قبل تكوّن الجنين، مما يؤدي إلى نموّ العقل بصورةٍ مختلفة عن الآخرين. ويبدو أن هنالك ميلاً قوياً لتوريث الحالة، ولكن ليس بالضرورة أن تكون وراثيةً دائماً.

تلقى تلك النظرية قبولاً في الأوساط العلمية إلى حدٍّ كبير، أمّا نظرية التكوين النفسي للطفل وتأثير المحيط عليه، فهي غير مدعومة بالأدلة الكافية حتى الآن (بحسب بعض الروايات المتداولة)، على الرغم من الدور الكبير والواضح الذي تلعبه التكنولوجيا الحديثة في صناعة القاعدة النفسية لظهور شتّى صنوف الاضطرابات لدى الإنسان، أفراداً ومجموعات.

من ناحية أُخرى، يشير بعض الباحثين إلى إمكانية وجود خلل في ما يسمّى “نظرية العقل Theory of mind”، وهي تمثل الإطار النظري التطوري الذي نبني من خلاله مفهومنا للعالم والبشر والوجود. إلا أنَّ الأبحاث تشير إلى بدء تكوّن هذه النظرية تدريجياً وبثبات متّسق بعد سن الرابعة، إذ أن أعراض التوحّد تظهر قبل ذلك بمدّة، وهو ما يرجح كفة غياب التأثير المطلوب.

في عام 2001، نُشرت ورقة علمية تحت عنوان “المحاكاة، الخلايا المرآتية، والتوحّد Imitation, mirror neurons and autism”، قام الباحثون فيها بدراسة دور الخلايا العصبية المرآتية بالتأسيس لحالة التوحّد. ووجدوا أنَّ هذا النموذج ربما يملأ الثغرات التي خلّفتها نظرية العقل في فهم المسألة بشكلٍ أفضل وأكثر عمقاً.

تعمل تلك الخلايا العصبية بالتحديد لدى الإنسان بغرض استيعاب الطرف الآخر وتقييم مشاعره، وبالتالي الانسجام معه من خلال ردّ فعلٍ مناسب. مما يعني أنَّ أي عطلٍ في هذه الخلايا سوف يؤدي إلى خللٍ في محاكاة تعابير وجه الأفراد، وتقدير نوعية مشاعرهم أو حدّتها.

تتواجد هذه الخلايا في قشرة الدماغ الأمامية prefrontal cortex. وقد شرع الباحثون أولاً بدراستها في القردة العليا. فحين يقوم القرد بأداء وظيفة حركية محددة (تحريك المعصم مثلاً)، تعمل الخلايا المرآتية لديه مباشرة. وحين يقوم قرد آخر بأداء نفس الحركة تعمل نفس الخلايا أيضاً لدى القرد الذي يشاهدها، كدليل على دورها في المحاكاة والتماثل.

ومن خلال الأبحاث اللاحقة، استنبط العلماء آلية عمل الخلايا المرآتية في الإنسان وعلاقتها بالتوحد. حيث تعمل الخلايا بمثابة جسر يربط بين تأدية الأفعال واستنساخ فعلها من ناحية، وبين اللغة والكلام من ناحية أُخرى. ويمثّل هذا الجسر وحدة البناء الرئيسية لتطوّر القدرة على إدارة الحوار بين البشر، أو بدء الحوار حتى، مما يعني أنَّ تعطّل هذا النظام القائم على الفعل وردّ الفعل قد يسبب حالةً من التوحد أو فقدان التركيز والاهتمام.

قبل بضعة سنوات انتشرت صيحة استهلاكية جديدة تم الترويج لها على نطاقٍ واسع، ادّعى أصحابها أنَّ الغاية منها هي المساهمة في علاج التوحد والأمراض المرتبطة بالقلق وفرط الحركة. كانت هذه الصيحة ما يسمّى تجارياً باسم “سبينر Spinner”.

وفي عام 2017 قامت مجلة Current Opinion in Pediatrics المتخصصة بتربية الأطفال، بنشر ورقة علمية تفنّد فيها مزاعم المروّجين للسبينر. حيث تشرح الورقة كيف تقوم تلك الألعاب الصغيرة بتشتيت انتباه الأطفال بدلاً من تركيزه، كما تؤكد على غياب الأدلة العلمية الحقيقية على قدرتها في علاج التوحد أو القلق بصورةٍ قطعية.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً في تصريحٍ مثير للجدل، أن منتجات الباراسيتامول المستخدمة لتسكين الألم، والمعروفة تحت أسماء تجارية مثل بنادول وتايلنول، قد تكون أحد مسببات التوحد عند استهلاكها من قبل النساء الحوامل. ولكن تسارعت الأخبار عقب هذا التصريح لتفنّد المزاعم غير العلمية -وتحديداً من قبل منظمة الصحة العالمية- والتي تحمل تداعيات خطيرة، حيث أكدت الأبحاث أنَّ الرابط بين الإثنين ضعيف جداً ولا يشكّل دليلاً مقبولاً، ولا يمكن الاستناد إلى بعض التفسيرات الإحصائية الضيقة التي لا تشرح أثر تلك العقارات أساساً. فالدراسات العلمية المتتابعة تخلص إلى وجود عدد من العوامل البيولوجية والطبيعية والوراثية المتراكبة، وتنفي اختزال الحالة في حبوب مسكّنات الألم الرائجة.

نعيش اليوم في عالمٍ يملأه التشتت والضجيج والسرعة، عالم استهلاكي يخلق منّا أفراداً معزولين قسراً. نعيش في قواقع اجتماعية تغلّف حياتنا وتلقي بنا في عزلةٍ إجبارية، وفي هذه العزلة، نفقد تركيزنا من فرط الاستهلاك، والقصف المستمر لآيديولوجيا الاستهلاك.

عالم اليوم القائم على التكنولوجيا الحديثة، يصنع التوحّد التقني في مصانعه إلى جانب السبينرز وغيرها. لم تعد الحالة الراهنة تقتصر على الجينات والخلايا المرآتية فقط، فنحن نعاني من هذا الفيروس الاجتماعي كباراً وصغاراً، بدرجةٍ أو بأُخرى، هناك حيث تقتحم الشركات واقعنا بأرتالٍ من السلع والأوهام، التي ظننا أنها ستغيّر حياتنا إلى الأفضل، وكل ما فعلته هو أنها جعلتنا نمتلك ذلك التصور عنها وحسب؛ شركات تبيع الوهم، وبشر يعيشون على استهلاكه.

أضف تعليق