تعاسة الذات المُنجِزة.. أن تقول “نعم” لكل شيء

جسّد الممثل الأمريكي جيم كاري في فيلم Yes Man عام 2008 دور الرجل الكئيب، الوحيد، الذي قرر عزل نفسه عن الجميع -ربما دون وعي، لأنه يقول “لا” لكل شيء. وهو يرفض كل ما حوله من بشرٍ وحجر بسبب حساسيته المناعية تجاه الواقع، بسبب انغلاقه على كل ما هو غريب/آخر/مختلف عنه. وعندما اتخذ قراراً مصيرياً بأن يقول “نعم” لكل شيء، تغيّرت حياته بصورةٍ عجيبة. تملكته الإيجابية فجأةً وبات منفتحاً على كل الأشخاص والتجارب بشتّى صنوفهم، لم يعد ذلك الرجل الانعزالي العابس الذي يعاني الوحدة القاتلة والإرهاق الدائم.

ولكن، هل وصفة الإيجابية المفرطة هذه التي يصدّرها الفيلم يمكن أن تقود حقاً إلى شفاء الروح والسعادة المطلقة؟ أم أنها ستقود إلى المزيد من الاحتراق النفسي؟ إلى المزيد من الضغط والكلفة المرتفعة لأفعالٍ كانت عفوية يوماً ما؟

مِن “ينبغي” إلى “يمكنك” | تعزيز سُلطة العبد على نفسه

في كتابه الصغير نسبياً “مجتمع الاحتراق النفسي”، يشرح الفيلسوف الألماني الكوري بيونغ شول هان، كيف تحوّل أفراد المجتمع في القرن الحادي والعشرين إلى ذوات منجِزة تعاني فائضاً من الإيجابية. وهذا الفائض يخنقها ويحاصرها ويؤدي إلى طيف واسع من الأمراض العُصابية، كالاكتئاب وفرط الانتباه والحركة. ولكن ما يجدر ملاحظته هنا هو أنَّ هذا الهجوم الإيجابي للإنجاز والعمل والتطور اللانهائي، لا يتم فرضه من الخارج، كما كان يحدث في المجتمعات التأديبية التي سادت القرن المنصرم، بل ينبع من الداخل، من الذات نفسها؛ وهي الثيمة الملازمة للعصر الصناعي الحديث، عصر الإنجاز والإيجابية المفرطة ومضاعفة الإنتاج باطّراد مستمر.

أن تقول “نعم” لكل شيء، أن تُذعن لكل إشارات التحفيز النفسي والجسدي من حولك، أن تتحول إلى آلة للاستجابة الفورية للمعلومات والميديا والأشخاص، لا ينم عن سلبية مفرطة، بل عن فائضٍ في الإيجابية. وهي نوعٌ من الإيجابية المتصاعدة التي تُلقي بالفرد في دوامة من الاستنزاف النفسي واحتراق الذات. هذا الجانب السوداوي للإيجابية لا يتمظهر في شخصية جيم كاري المولودة مجدداً، فالفيلم يمثّل التعبير الأدق عن الحالة الوهمية التي يروّج لها المجتمع الحديث -كلما واجهتَ الواقع بمزيد من الإيجابية والنشاط، زادت سعادتك؛ وهي دعاية لا تعكس حال الأفراد الحقيقية في مجتمع الإنجاز، الأفراد الزومبي المسكونين بهاجس رفع الإنتاجية، والرقابة الذاتية التي لا ترحم والتوبيخ المصاحب لها.

هذه الصيغة المبالغ بها للفيلم التي تصوّر مقاومة الاندفاعات الفورية واللحظية على أنها عنوان عريض للكآبة والانعزال، وفي المقابل، فإن الخضوع والاستجابة لكل ما هو عابر من مصادر الاستثارة الخارجية تمثل ذروة المشروع البشري وقمة السعادة، هي صيغة مشوّهة ومضللة للواقع. تتحول العلاقات البشرية في مجتمع الإنجاز إلى تجارب مبعثرة لا تتراكم، فهي تركّز في صميمها على الذات وحدها، وليس على الآخر وجدلية الارتباط به واستيعابه والمقاومة والتغيير، هي علاقة نرجسية بالذات ناجمة عن تضخّم الأنا تُلغي الآخر معها، وبالتالي تُلغي بناء الخبرات على أرضية صلبة.

مشهدية إلغاء الآخر في الشق الأول من الفيلم قائمة على انطواء الأنا، وهي صفة تُميّز الذات المُنجِزة، أمّا إلغاء الآخر عقب التحوّل الجذري للشخصية فهو قائم أيضاً على انطواء الأنا (مع إضافة بعض مساحيق التجميل). فالانفتاح الذي يبدو أنه موجّهاً نحو الآخر في شخصية جيم كاري هو في الأساس موجّه نحو الذات في محاولة نرجسية لاسترضائها.

يعبّر عالم الاجتماع ريتشارد سينيت عن ذلك في قوله إن “النرجسي ليس تواقاً للخبرات، إنه تواقاً للتجربة. فهو يبحث دائماً عن تعبير أو انعكاس لـ [الذات]، حيث يغرق المرء داخل نفسه”. فالفرد في عصر الحداثة السائلة ينساق إلى الحرية والمتعة والميول، وليس الوفاء والالتزام والطاعة والواجب؛ وهي سمات يفتقر لها مجتمع الإنجاز الحديث. ولكن على الرغم من الصورة البراقة التي يحاول هذا المجتمع رسمها عن نفسه بأنه مجتمع الحرية في أبهى أشكالها، إلا أنه يخلق قيوداً جديدة متوارية تكبّل الإنسان وتضع ذاته في حربٍ مع نفسها، وهو ما يُفرز كافة أنواع الاضطرابات النفسية. فالفرد الاكتئابي الذي يُعلن أن “لا شيء ممكن”، هو محصلة علاقات الإنتاج ضمن مجتمع يصرّح أن “لا شيء مستحيل”. وعندما يحدث الصدام بين “الممكن” و”المستحيل” في عالمٍ يبيع الوهم، تتآكل الذات وتنشأ أعراض المرض في ظله.

الأنا ما بعد الفرويدية

في مجتمع الإنجاز، ثمة توليفة من الإيجابية الزائدة وغياب الفواصل الزمنية التي تجتاح مظاهر الحياة، من العمل إلى ما بعد العمل. عالَمٌ متسارع لا يهدأ، يسكنه هاجس الفاعلية الإنتاجية التي يغيب عنها التأنّي والاستغراق التأمّلي العميق. لا شيء هنا خاضع للفحص والتمحيص، فحدود الوقت تذوب عندما يصبح فرط النشاط ضرورة اجتماعية واقتصادية. يشبّه عالِم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان ذلك بالتزلّج على طبقة رقيقة من الجليد، فالتوقّف هناك ليس خياراً، إذ أنَّ التباطؤ سيؤدي إلى انهيار طبقة الجليد الهشّة والسقوط فيها؛ وهو ما يعكس واقع مجتمعنا الحديث، الذي يحرمنا القدرة على التوقف والتأنّي، وأن نقول “لا”.

يفسّر هان في كتابه كيف أن المجتمعات الامتثالية التأديبية قديماً كانت تضع المسؤولية على عاتقها في الدفع نحو رفع الإنتاجية، أما في مجتمعات الكفاءة الحديثة التي تسعى للتحقيق الأعلى للإنجاز وتسريعه، فالمسؤولية تنتقل إلى مجال الأفراد، أي أن الأفراد أنفسهم يصبحون هم السجّان والسجين. وهذا الانتقال، وفقاً له، تَرافق مع تراجع الذات التأديبية والأجهزة الآيديولوجية المرتبطة بها. حيث أنَّ ذات-الطاعة التي شرّحها سيغموند فرويد في الفترة الممتدة بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت مبنية على آليات نفسية عمادها القمع والإخضاع والكبت، سلسلة متتالية من حصر الرغبات وتفريغها. أمّا اليوم، بحسب هان، فإن الذات الحديثة قد تجاوزت معركة الوعي واللاوعي ومحاولة نفي الرغبات تلك، إنها ذاتٌ توكيدية إيجابية الطابع تقبل كل شيء، حيث تتلاشى المحظورات والأوامر ويتحوّل ماراثون العبودية إلى جولة استنفاد “ممتعة” لا حسم فيها.

أجادل هنا بشيء من الاختلاف مع هان، أنّ ذات-الإنجاز لم تتخلى عن سلبية النفي تماماً، أي أنّها لم تتجاوز التحليل الفرويدي بعد. فالقمع الكائن في لاشعور إنسان العصر الحديث هو قمعٌ للقدرة على الرفض، هو إخضاع غير مباشر للذات يجبرها على أن تقول “نعم” لكل شيء، أن تستنزف طاقاتها في تحسين الأداء والانفتاح على طابور “التجارب” الذي يصنّعه الواقع من حولنا ويعلّبه للاستهلاك الجاهز. مجتمع الرأسمالية المتأخرة ما زال مجتمعاً تأديبياً يرتدي ثوب الإنجاز والتحرر؛ فالذات المُنجِزة اليوم لا تصغي إلّا إلى نفسها بالدرجة الأولى، ولكن يبدو أن نفسها التي تُصغي إليها مرنة وقابلة للتشكيل والقولبة، حيث تنقلب الهستيريا الجماعية التي كانت تُفرض سابقاً من الخارج وتُصبح نابعةً من الداخل بكامل إرادتها. أو كما يقول هان واصفاً لوحة الواقع الحديث، فإنه “في مجتمع الإلزام القهري هذا، يحمل كل شخص معسكراً داخلياً للعمل”.

أضف إلى ذلك غياب، أو تغييب، مفهوم الصراع الطبقي من أفكار هان، بحجة أننا تجاوزناه بلا رجعة ولم يعد هناك مكان لهذا الشكل من الصراع وعلاقات الاستغلال الغيري في مجتمع الإنجاز، حيث تحوّلت المعركة إلى صراعٍ عابر للطبقات بين الأفراد واستغلالٌ تلقائي طوعي لذواتهم. ولكن الواقع الراهن يقول عكس ذلك، فالصراع الطبقي، وإن تلوّن، ما زال هو المحرك الأساسي للتاريخ؛ إذ أن عملية الإنتاج الرأسمالي تقوم في جوهرها على استثمارٍ غير عادل للقوى العاملة، مهما بدّلت من جلدها أو غيّرت من أقنعتها. فالذات المنجِزة التي حاولنا سبر أغوارها هنا، هي نفس الذات المستَضعَفة المستَغَلّة قديماً، ولكنها دخلت طوراً جديداً يتماشى مع السياق العام لعصر الحداثة المتأخرة والانتشار الواسع للتقنية.

ذات-الإنجاز تعيسة رغم إيجابيتها المفرطة، وتعاني الكآبة وفرط الحركة ونقص الانتباه رغم كل الوسائل والتكنولوجيا المتاحة لها، وربما بفعل التكنولوجيا نفسها بالتحديد، خصوصاً مع دخول عصر الذكاء الاصطناعي إلى ساحة العمل والتطوّر الدائم الذي تحوّل إلى سباق فئران. الإنسان الحديث مُثقل بالواجب الاجتماعي الراهن الذي يتمثّل في استعراض النفس، في تلميعها وصقلها، وفي الإذعان الفوري لكل مثيرٍ عارض ومؤقت. وهذا الإذعان يحمل بالضرورة نزعات تأديبية قامعة للمقاومة والفِعل السيادي للإنسان في داخله.

إنجاز التأديب العربي

في المجتمعات العربية المعاصرة، يبدو أننا نعيش صيغةً مائعة من مجتمع الإنجاز ذلك، نعيش حالةً وُسطى بين مجتمع التأديب والإنجاز التي تفتقر إلى المعالم الواضحة. فنحن لم نتحوّل تماماً إلى التصريح المباشر بضرورة التفوّق في الحرب ضد أنفسنا عبر “فك الارتباط” مع نموذج الاستغلال التقليدي، وما زالت عصا التأديب تلوح دوماً في وجه المعارضة والرفض. شكلٌ هجين للإنجاز الذي تقوده مؤسسات الامتثال للأوامر والخوف الوجودي، والتأديب المدفوع بالحاجة الملحّة للإنجاز وتضخيم الأرباح والنتائج.

خصائص مجتمع الإنجاز تهيمن على وعي الإنسان في نطاقٍ من التنويعات المتباينة، وهذا الوعي يؤول إلى أزمات نفسية شديدة ومدمرة. وربما قد يتبدّى هذا الوعي الملتوي بوضوح أكبر في مراكز رأس المال أكثر من أطرافه، لكن مآلات التصعيد العالمي للصراع الطبقي الذي يعمّق الفجوة ويكثّف صراع البقاء (وهي الحقيقة التي يقلل هان من شأنها)، يسمح بإعادة إنتاج الذات المُنجِزة بنسختها العربية الطَرفية، فنحن جميعنا نعمل في العراء، ونعيش في مجتمع متسارع يُنهك الروح. “فإذا كان مجتمع الإنجاز في عصر الحداثة المتأخرة قد دفعنا جميعاً صوب الحياة العارية، فلا ينطبق ذلك فقط على الأشخاص المهمشين أو أولئك الذين يخضعون إلى حالة الاستثناء، أي المستبعدين؛ بل جميعنا، بلا استثناء، قرابين مقدسة”.

تناول الروائي البريطاني إي. إم. فورستر في قصة الخيال العلمي القصيرة التي نشرها عام 1909 تحت عنوان “الآلة تتوقف”، الحال المظلم للبشر في المستقبل البعيد الذي تنبأ بوصوله يوماً ما، وكيف ينتقل مركز الثقل والتأثير من الجسد إلى الذهن حين تهيمن الآلة وتسرق مهامنا اليومية. يقول فورستر: “كان البشر نادراً ما يحركون أجسادهم، فيما تركّز الاضطراب في أرواحهم”. وهو وصفٌ للوضع البشري الحديث في أقسى لحظاته. نحن قرودٌ عارية تمتلك تكنولوجيا فائقة التطور، نتعرض لكل أصناف السيطرة والإخضاع (الخشن في بعض الأحيان)، ونبادر بتقديم أنفسنا وقوداً مجانياً لعجلة رأس المال التي لا ترحم، في طقسٍ من الإيجابية الرثة التي تسرّع من احتراق النفس، وتخلق اضطراباً في دواخلها.

ومن باب ممارسة النقد والنقد الذاتي، عليّ أن أعترف بأنني شخصياً كنتُ أشعر بالضغط من ضرورة إنجاز هذا الموضوع وإنهاء كتابته. ذات-الإنجاز التي ما زالت بقاياها تسكنني ساهمت في توليد ذلك الشعور بالقلق من ملاحقة الوقت والبحث وإنتاج الأفكار وصياغتها؛ ولكن رحلة الانفكاك من الروابط التي أسس لها المجتمع الحديث تبدأ بمواجهة المشكلة وتفكيكها، ومن ثمَّ معالجتها. فالغاية من الفلسفة ليست فِهم العالَم فقط، بل تغييره أيضاً.

أضف تعليق