من أعماق تضاريس الدماغ البشري وانحناءات أروقته التي تشبه متاهةً مصغّرة، خرجَت منه أجمل القطع الموسيقية وأكثرها تعقيداً وتناغماً على يد شوبان وموتزارت وشوستاكوفيتش وفيفالدي وتشايكوفسكي وبيتهوفن وباخ ومحمد عبدالوهاب وغيرهم، حيث جسّدوا فيها ذروة الإبداع البشري وانسجام الموسيقى مع طموحاتنا وأحلامنا وأوهامنا، مع مشاعرنا وأوجاعنا كذلك، ومع لحظات الحزن والفرح على حدٍّ سواء.
خرجَت منه مسرحياتٌ وملاحم بطولية تركت بصمتها في التاريخ، من أمثلة الإلياذة والأوديسة وغلغامش ومكبيث وغيرهم، والتي عبّرت في جوهرها عن قوّة الإلهام والخيال البشري الذي يعانق السماء في حدوده ويطال الفضاء وما بعده.
خرجَت منه أبياتٌ شعرية وقصائد بعمرِ السنديان وجماله صاغها عظماءٌ بحجم المتنبي وامرؤ القيس وبدر شاكر السياب وأحمد شوقي ومظفر النواب وغيرهم، رافقتنا في حكايات الحب والصداقة والغربة والشوق والرثاء والهجاء، والانتماء للأرض والمقاومة والتضحية.
خرجَت منه أول اللغات المكتوبة التي نعرف عنها انطلاقاً من الحضارة السومرية قبل ثلاثة آلاف عام من الميلاد.
خرجَت منه مدارس فنية آسرة تحاكي جمال الواقع تارةً في لوحات دافينشي وفان غوخ ومايكل آنجلو، وتتمرد عليه تارةً أُخرى في السلفادور دالي وغيره من التيار السوريالي الذي يمزج بين الحلم والحقيقة.
خرجَت منه أهم الكتب والدراسات العلمية والأدبية التي أنتجتها أقلام البشر عبر مئات السنين، كمقدمة ابن خلدون والجمهورية لأفلاطون ورأس المال لماركس وأصل الأنواع لداروين والكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري والمبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية لنيوتن وغيرهم الكثير، والتي ساهمت في رسم معالم التاريخ وتشكيل وعي الإنسان الحديث فيه.
خرجَت منه أساطير الآلهة الإغريقية التي تستوطن جبل أوليمبوس من زيوس إلى بوسايدن وهيرا، وآلهة الرومان القدماء من جوبيتر إلى فينوس وأبوللو، وأساطير الشرق الأولى التي امتزجت مع الرواية الشعبية وأضفت على آلهتها صفات أقرب إلى أنماط الحياة المعيشية السائدة حينها، كآلهة الخصب والزراعة مثلاً، كما خرجَت منه جُلّ التصوّرات التي أنتجها مخيال الإنسان البدائي لسدِّ عجزه عن تفسير ظواهر الطبيعة.
خرجَت منه أكثر الابتكارات إدهاشاً وثوريةً وتأثيراً على حياتنا اليومية، كاختراع آلة الطباعة ليوهانس غوتنبرغ والتيار المتردد لنيكولاس تيسلا والمصباح الكهربائي لتوماس إديسون والتلغراف لسامويل مورس، إلى جانب المحرك البخاري لجيمس واط الذي كان بمثابة إعلانٍ لانطلاق ثورة التصنيع والمكنكة وتقريب المسافات بين أرجاء المعمورة، وصولاً إلى ما يسمّى “ثورة الذكاء الاصطناعي” التي نشهدها اليوم.
خرجَت منه أبرز النظريات الفيزيائية التي غيّرت تماماً كيفية فهمنا للعالَم والكون، ونشأته وموقعنا فيه بشكلٍ جذري، كنظرية النسبية العامة التي توصّل لها أينشتاين لتفسير الجاذبية وحركة الكواكب، ونظرية ميكانيكا الكم بكل ما تحمله من غرابة عن مسرح الذرات وما دونها، والتي ساهم في تطويرها عددٌ كبير من الفيزيائيين مثل إرفن شرودينغر وفيرنر هايزنبيرغ وريتشارد فاينمان.
خرجَت منه جميع الخصال النفسية التي نمتلكها، وملامح سيكولوجيا الإنسان وسلوكياته مهما كان حجمها وتناقضها: الخير والشر، الحب والكراهية، القوة والضعف، الحماس والكآبة، الطمع والاكتفاء، التواضع والاستعراض، المتعة والملل، الشهوة والرغبة الجنسية -بصرف النظر عن وجهتها وطاقتها.
كل ذلك، جاء من مجموعة خلايا تشكّل مادة رمادية اللون لا يتعدى وزنها 2% من إجمالي كتلة جسم الإنسان البالغ.
الدماغ هو وعاء التاريخ الحقيقي وكل ما يحمله لنا خط الزمن من أحداثٍ صنعناها نحن وتأثرنا بها، منذ ظهور أول إنسان عاقل قبل مئات آلاف السنين، مروراً بنشأة الإمبراطوريات المقدّسة تحت ظل الله واندثارها، إلى زمن العصور الوسطى التي استهوت حرق الساحرات في محاكم التفتيش، والثورة الصناعية التي داست على أجساد العمّال ثمناً للتحرر من الإقطاع، حتى القرن العشرين الذي شهد انقسام العالم بين معسكرين متضادين، واصطفافه على ضفّتين متقابلتين في شرق الكوكب وغربه تواجها على كل الجبهات وشكّلا أقطابه المتصارعة –ثمّة ما يغريني هنا للقول بأنني أنحاز إلى أحد المعسكرات على حساب الآخر، لأن دماغي الذي يحكم ضميري ووعيي وحلمي الدائم بعالمٍ آخر ممكن لا يعرف الانتظار في منتصف الطريق. لكنّي سأدع هذا الحديث إلى وقتٍ آخر.
ووصولاً إلى القرن الحادي والعشرين، عصر الثورة التكنولوجية القادمة من رحم الدماغ وعصبوناته التي تتبادل إشاراتٍ كهروكيميائية فيما بينها، العصر الذي استعاض عن رهبة المجتمعات البدائية من الطبيعة بقلقٍ دائم وخفي مصدره الفعل التراكمي للإنسان بدلاً من الفعل العفوي للطبيعة، والتي تلاشت مع تطور قدرة البشر في السيطرة عليها، تحديداً في القرون الثلاثة الأخيرة التي شهدت موجاتٍ علمية وصناعية وثورية كبرى.
يمكنكم أن تعدّوا هذه الجولة البسيطة في متحف الدماغ، والتي بدأت بالمناسبة كخاطرةٍ مسائية كانت تحوم في ذهني، وامتدَّت بي إلى رحلة تاريخية وتأملات عميقة حتى ساعات الصباح، يمكنكم أن تعدّوها احتفاء بالإنسان وبمنجزاته وبكل ما أفرزته هذه الكتلة العصبية المعقّدة والمتراكبة داخل تجويف الرأس من إبداعاتٍ وإخفاقات، من بناءٍ وتدمير، كلُّ خوفٍ من المجهول وانفتاحٍ عليه أيضاً، كلُّ حنينٍ إلى الماضي وسباقٍ نحو المستقبل، من الخطابات الكاريزمية التي خلّدها التاريخ، من أدياننا وأيديولوجياتنا وفلسفاتنا عن الواقع وأسراره الدفينة، عن الموت والحياة والزمن والغاية والوجود والأخلاق والحرب والسلم.
الإنسان بماديته هو صندوق الأسرار الذي يخبئ كل الأعاجيب والغرائب، الشرور المظلمة وخصال الخير التي تنير طريقنا، الضمائر الحرة واليقظة المرتبطة بهموم البشر على الأرض إلى جانب خيالات وأوهام ما وراء الواقع، دوافع العنف والكراهية واليد الممتدة إلى العون والأخوّة، الأسئلة الكبيرة المحيّرة والحلول الجذرية كذلك. فلعلّنا إذاً نجترح اليوم حلولاً جديدة لمشاكل العصر الجديد، هذا العصر الذي لم يكن إلا وليد الدماغ ذاته، دماغ الإنسان.
