تلك اللحظة السحرية التي تمتزج فيها السعادة بالدهشة والغرابة، عندما تتسمّر العينان وتحلّق الأفكار عالياً فوق سُحب الخيال. عندما يتعثّر القلب بسرعة وكأنه يسابق الزمن، ويقع الوجدان حبيس اللحظة ذاتها.
هذه الصورة الرومانسية هي ما نشعر به عندما نقف في حضرة منظرٍ طبيعي نعدّه جميلاً، أو حين نصادف وجهاً جميلاً في مكانٍ ما، إلى الحد الذي يخطف تركيزنا معه، أو ربما لوحة فنية مشبّعة بالتفاصيل التي تحرّك فينا ذلك الإحساس الغريب.
ثمة جانب تجريدي يلازم الجمال دائماً، جانب نشعر به بقوة، ولا سبيل إلى تحديد معالمه أو تفصيلها. لكن ماذا لو حاولنا القيام بذلك بمساعدة العِلم؟ هل يُفقده ذلك مضمون الجمال وسحر اكتشافه؟ ربما، إلا أننا سوف نقارب الجمال هنا من منظور سيكولوجي وفلسفي، لتحديد الآليات العامة التي يتفق فيها البشر على رسم الخط الفاصل بين الجمال ونقيضه.
ما هو الجمال؟ وكيف نعرّفه؟
يعرِّف المعجم الوسيط الجمال بأنه “صفة تُلحظ في الأشياء وتبعث في النُّفوس سروراً أو إحساساً بالانتظام والتّناغم”. لكن على الرغم من تعريفها الاصطلاحي الذي يتوافق مع الظاهر والمحسوس، تتجاهل المعاجم عادةً الغوص في تفاصيل الأشياء.
ويمكننا أن نسأل هنا، تعقيباً على ذلك التعريف، ما هي تلك الصفة التي تبعث في النفس سروراً؟ وهل هناك اتّفاق عام بين جميع البشر عليها؟
لا شك أنَّ تعريف الجمال يخضع للكثير من المعايير الذاتية subjective criteria التي تختلف وتتمايز على مستوى الأفراد. لكن هنالك ميلٌ عام لتفضيل بعض الصفات المحددة على غيرها أيضاً، وهو معيار موضوعي objective بالضرورة، يرتبط بمفاهيم التطور والتكاثر والانتقاء الجنسي sexual selection بشكلٍ رئيسي. وهو الرأي الذي تتداوله معظم الأبحاث الرائدة في هذا المجال المعقّد. لكننا سنناقشه من زاويةٍ أُخرى.
تقول الكاتبة الأمريكية إيلين كاري في كتابها “On Beauty and Being Just” أنَّ “الجمال يستحضر نُسخاً من نفسه إلى الوجود. يجعلنا نرسمه، نلتقط صوراً له، أو نقوم بوصفه للآخرين”.
بتلك البساطة المجردة، تحدد إيلين ملامح الجمال في لوحة الواقع. هو ذلك الشيء الذي يجعلنا نميل إلى تكراره، على رقعةٍ من القماش، أو على ورقةٍ بالية بحبرٍ يكاد يجف، وربما على صفحةٍ بيضاء من مدوّنة الخيال.
هنالك اختلاف واضح بين المجتمعات البشرية في الاتفاق حول تعريف الجمال فيما يتعلق بالوجوه والملامح العامة تحديداً، لكنَّ جيناتنا مطبوعة بالقدرة على رصد الجمال في الطبيعة ومكوّناتها، كخيوط الشمس التي تستقر على بركة الماء مثلاً. فقد ورث الإنسان تلك الخصال من الرعيل الأول، الذي قطن هذا الكوكب قبل أن تحتلّه أبراج الإسمنت والزجاج الكئيبة. وعندما نبحث في تاريخنا القديم، منذ فجر الحضارات الأولى وحتى اليوم، نجد أنَّ مفهوم الجمال قد طرأ عليه الكثير من التغيّرات الجذرية. فمع اتّساع الحضارات وتشعبها، وتطوّر أنماط الإنتاج والتنظيم الاجتماعي، بدأت تتفرع المفاهيم وتتجزأ تبعاً لما تفرضه علينا الظروف اللحظية، القسرية أحياناً.
لكن النقطة الجوهرية التي تتفق عليها معظم الدراسات الآن، هي أنَّ الإنسان يميل إلى تفضيل الأشكال المتناظرة Symmetric، المتماثلة والمتناسقة؛ حيث تَكيَّف الإنسان تاريخياً للميل نحو هذا الجانب، لأنه يمثّل -في سياقٍ تبسيطي- نمطاً أو كياناً “سليماً” لا يشكّل تهديداً فورياً لحياته. أمّا النقيض فهو غير الاعتيادي، غير المألوف، والمخيف في بعض الأحيان، والذي قد يحمل خطراً أو تهديداً على حياته. ومن هنا تطوّر مفهوم الإنسان للجمال والسعادة المصاحبة له. فالوجه والجسد الأكثر تناسقاً يعدّان أكثر جمالاً في معايير الإنسان، أو لنقل أكثر جاذبيةً وبعثاً للارتياح.
في ورقةٍ علمية نُشرت عام 2014 في مجلة “Proceedings of the Royal Society”، يطرح الباحثون نظرية مغايرة للآراء الشائعة في السيكولوجيا التطوّرية التي تقول أنَّ الإنسان يميل إلى تفضيل الوجوه المتناسقة أكثر، وذلك لأنّها كانت ترتبط بالتزاوج عند أسلافنا قبل مئات الآلاف من السنين؛ بمعنى أنَّ الوجه والجسم المتناسقين يفترضان مباشرةً قدرة أفضل على الإنجاب في الشريك الجنسي المحتمل، كمؤشّر على الجودة الوراثية genetic fitness واحتمالية أعلى لاستمرار النسل.
وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي ترجّح كفّة الرأي السابق، وبالرغم من صحّة الطرح في جزء منه، إلا أنَّ النظرية الجديدة تضعنا أمام مفهومٍ مختلف للجمال، مفهوم أكثر عمقاً وشمولاً. ويمكننا تلخيص الفكرة الرئيسية للدراسة كالتالي: اعتاد الإنسان البدائي أن يخشى الأشكال غير المتناسقة والأجسام غير منتظمة البناء في الطبيعة، فهي تجسّد خطراً مجهولاً يسعى لاجتنابه؛ وبالتالي خلقَ لديه الخوف من اللاتناسق/اللاتماثل asymmetry في الطبيعة ميلاً نحو الوجوه الأقرب إلى التناسق في دوائره الاجتماعية الضيقة.
يسمّي الباحثون الوجوه الأبعد نسبياً عن ذلك التناسق المرغوب باسم “اللاتناسق المتذبب fluctuating asymmetry”، ما يعني أن صفات الوجه يمكن أن تتذبذب بين اللاتناسق الطفيف وشبه التناسق على امتداد الأجيال. ويُعدّ اللاتناسق المتذبب وحدة قياس رئيسية في جميع الدراسات التي تتمحور حول مفهوم الجمال والجاذبية الجمالية عند البشر.
أظهرت بعض الأبحاث أيضاً وجود أدوات بدائية للإنسان تم تصميمها بصورةٍ متناسقة، دون سببٍ واضح خلف ذلك التصميم. إلى جانب الكثير من الأبنية والتماثيل واللوحات التي تم تصميمها أو رسمها لمحاكاة التناظر المثالي؛ فتاريخ الحضارات البشرية يعج بهذه الأمثلة التي تؤكد ميلنا نحو الانتظام والتماثل في الطبيعة.
ذلك الجانب التجريدي من الجمال، الحب، الفن، أو الموسيقى، لا ينفي الجانب العِلمي من الحكاية. فدماغ الإنسان يقوم بتحليل الصور في القشرة البصرية visual cortex، ومن ثمَّ يعمل على إفراز الناقلات العصبية المناسبة لمحاكاة الحالة النفسية الراهنة. ومما لا شكَّ فيه أن مشهد الجمال يمنحنا شعوراً غامراً بالسعادة، شعور ناجم عن تفاعلات كيميائية مركّبة في الدماغ تبدأ بإفراز السيروتونين Serotonin، الذي يسمّى هرمون السعادة، ولا تنتهي بإفراز الأدرينالين الذي يقود إلى تسارع ضربات القلب وتوجيه الانتباه نحو الموضوع.
صنمية المشهد.. حين يُباع الجمال ويُشترى
لا بد من الإضاءة على نقطة غاية في الأهمية هنا. تذكّر دائماً أنَّ المفاهيم الاستهلاكية السائدة للجمال والسعادة أكثر قابلية للترويج والتقبّل والانتشار، بالرغم من أنها تقوم على إفراغ الجمال من عمقه النظري والتاريخي؛ فالسوق يبيعك هوس الموضة كبطاقة مضمونة للدخول في نادي السُعداء، ومساحيق وعمليّات التجميل كغطاءٍ لما يسمّيه “عيوب”، وجنون الصالات الرياضية والحميات الغذائية كوسيلة لإنشاء صورة “مثالية” عن الفرد. في الواقع، إنَّ الميل نحو التماثل المطلق مدفوع برغباتٍ مصطنعة وغير حقيقية، إذ يبدو التناظر الكلّي عقيماً مجرداً من المشاعر، أقرب إلى الآلة الجافّة والأبنية الجامدة. وعلى العكس من هستيريا الجموع التي حوّلت الجمال إلى سلعة تحت وطأة رأس المال الاستعراضي، فإن الإنسان ينجذب أكثر إلى الملامح التي يشوبها شيءٌ من الاختلاف واللاتناظر، وهو ما يمنحها تمايزاً رشيقاً يتسلل إلى لاوعيك خفيةً.
ومع كل ما قلناه سابقاً، نود التأكيد أن لا شيء مطلق في هذا الكون. ما من شيء يحمل صفة الجمال أو نقيضه كلياً، هنالك نوع من التوازن في هذا العالم. الجمال في جوهره يشبه أي شيءٍ آخر، فهو يحمل ضده في باطنه.
فلسفة التاو الصينية مثلاً تتوسع في شرح علاقة المتضادات ببعضها. فالمتضادات، على الرغم من تناقضها الظاهر، لا تقوم قائمة لأحدها إلا بوجود الآخر. السالب والموجب، الخير والشر، وينسحب ذلك على كافة ظواهر الحياة. فما من شخصٍ خيِّر بالكامل أو شرير بالمطلق. الخير يحمل الشر بداخله، تماماً كالشر الذي يحمل بذرة الخير. اليِن واليانغ، هكذا يلخّص لاوتسو حالة التوازن القائم في الطبيعة.
ومن هنا، فإن الجمال بالمثل لا يمكن أن يكون سرمدياً أبدياً مثالياً لا ينقصه شيء. الكون يفيض بالجمال ونقيضه من حولنا، وما علينا إلا أن نبحث عن تلك البذرة الناقصة وحسب. وبدلاً من استنزاف نفسك في مراثون الجري العالمي نحو “الكمال”، لنخلق ذلك التوازن الضائع بين ثنايا القهر، ولنغيّر العالم، بالعِلم، بالوعي، بالحب، بالفن، وبقوّة الأفكار الثورية.
